Logo Pending!  


عودة   الملتقى الطبي السوري > العموميات > الثقافة > قصص وروايات


Try to know the right diagnosisمقاربة مريض بألم مفصلينحتاج إلى مشرفين (للأقسام ولكل الموقع)
تعالوا نشخص التهاب الكبد B مصلياًتقربر مفصل عن فحص الكيمياء العضوية العملي لطلاب ابو بكر 



الرد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم Dec, 06 2005, 00:50
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 1,988
التشكرات: 652
مشكور 1,981 من المرات في 641 من المشاركات
النشرات: 11
Images: 1
يحدث في مثل هذا اليوم .......................

يحدث في مثل هذا اليوم

(بقلم محمد منصور)




أكثر من ثلاث سنوات مرت على وجودي في هذا المكان ، دون أن أدرك سر هذا اليوم الاستثنائي في حياة ذلك الرجل ، أعني اليوم التاسع عشر من الشهر التاسع . أما كيف استطعت أن أميز ذلك اليوم من بين سائر أيام السنة في حياة شخص لم تكن تربطني به معرفة عميقة ، فلذلك قصة آمل أن أرويها لكم رغم أن مهنتي - كنادل في مطعم - أبعد ما تكون عن رواية القصص بالقياس إلى مهن أخرى تعطي أصحابها مثل هذه الفرصة الثمينة كسائقي سيارات الأجرة والحلاقين وكتاب الروايات على سبيل المثال لا الحصر!

تعود بي ذكرى معرفة هذا الرجل الغريب الأطوار إلى ثلاث سنوات مضت ، حين تسلمت عملي في هذا المطعم الصغير الهادئ الذي كان وما زال يرتاده العشاق من غير المتزوجين ، ومن المتزوجين في أحيان قليلة ، لكثرة ما يحيط به زبائنه من طقوس رومانسية بدءاً من الإضاءة الخافتة وانتهاءً بالأسعار التشجيعية المخفضة .

فقد حدث في اليوم الثامن عشر من الشهر التاسع أن جاء إلي هذا الشاب الثلاثيني الأشقر الوسيم ، طالباً إلي أن أحجز تلك الطاولة المنزوية المهملة المجاورة للنافذة الشمالية ، راجياً أن أوليها اهتماماً خاصاً ، وأن أغير آنية الزهور التي عليها ، وأن أبدل غطاءها الأخضر بآخر بنفسجي ، وأن أرتب له مائدة عشاء خاصة لشخصين فقط . والواقع أن وجه هذا الزبون لم يكن غريباً عني ، فقد كان يتردد على مطعمنا باستمرار بمفرده أحياناً ، وبصحبة صديق له أحياناً أخرى ، لكنه لم يلفت انتباهي على الإطلاق لأنه لم يكن أبداً من الزبائن المتطلّبين المزعجين ، الذين يحلو لهم دائماً أن يستعرضوا خبرتهم وذائقتهم الرفيعة في الطعام والشراب وترتيب الموائد أمام عشيقاتهم أو ضيوفهم … وما أكثرهم . على العكس فقد كان هذا الزبون هادئاً رقيقاً متسامحاً إلى درجة الخجل في التنبيه إلى الأخطاء التي قد تحدث في أحسن المطاعم وليس عندنا فقط!

لم أكترث لطلبه ، وقد خطر لي أنه كان هازلاً في كلامه رغم الجدية المفرطة التي كان يتكلم بها . وقلت قي نفسي إن بإمكاني تحقيق بعض طلباته إذا حضر في الغد .

لسوء الحظ فإن هذه الطاولة المهملة المنزوية التي كان من النادر أن يجلس عليها أحد بمن فيهم صاحبنا نفسه ، كانت مشغولة يوم الغد ، وعندما أتى ورآها جن جنونه حين ذاك ، وتوجه إليّ والشرر يتطاير من عينيه قائلاً :

- ألم أطلب منك بالأمس أن تحجز لي هذه الطاولة يا سيد؟!

فما كان مني إلا أن اعتذرت له ، متذرعاً بالنسيان ، وقائلا وابتسامة عريضة تملأ وجهي :

- المطعم كله على حسابك أستاذ… اختر الطاولة التي تشاء وسنجهزها كما يحلو لك .

الشاب الهامس اللطيف الوديع تحول بين لحظة وأخرى إلى شخص آخر … وصرخ في وجهي بنبرة زاعقة مهددة متوعدة ، لم أعرفها منه قبلاً :

- لا تقل لي يا أستاذ… إما هذه الطاولة أو سأكسّر المحل على رأسك ورؤوس من فيه!

كان بالإمكان أن أتحمل أن يكسّر هذا المحل على رأسي ، أما رؤوس من فيه فما ذنبها؟!

خطر لي هذا السؤال الاستنكاري الغاضب في الوقت الذي كانت الرؤوس الموجودة كافة تستدير نحونا بأعناق أثار فضولها الشعور بالإهانة مثلما أثارني الشعور نفسه!

بصعوبة بالغة استطاع صاحب المطعم أن يهدئ من روع الرجل الذي كان غضبه يتصاعد بشكل هستيري وبلا مبررات جديدة . لقد تدخل صاحب المطعم في الوقت المناسب ، أي الوقت الذي كنت سأرتكب فيه ما يجعلني أفقد عملي ، فيما أعتقد جازماً أنني أثأر لسمعة المحل .

وقد أبعدت عن الموضوع كلياَ ، بل طلب إليّ يومها إنهاء ورديتي . ولا أدري على أي نحو تم الأمر ، فقد فوجئت بعد نحو أسبوع بالرجل الهادئ الرقيق نفسه يدخل المطعم بصحبة صديق له ، ويبادرني بابتسامة عذبة تشع من عينيه الزرقاوين ثم يصافحني ويجلس على أية طاولة وكأن شيئاً لم يكن!

* * * * *

مضى نحو عام على الحادثة على ما أذكر… ثم وإذ بصاحب المطعم يستدعيني ليقول لي :

- اليوم هو الثامن عشر من أيلول ، غداَ لا أريد أن أراك في المطعم في الفترة المسائية ؛ ستعمل في الفترة الصباحية نيابة عن أحد زملائك الذي سيأتي مساءً .

لم تكن شكوكي في محلها ، لأن هذا الإجراء كان طارئاً حقاَ ، وليس كما توهمت من أنه سيكون بداية سلسلة من المضايقات المهذبة ، التي ستنتهي بي إلى طرد أشد تهذيباً! ولم أستطع أن أفهم ما معنى أن يكون غداً هو التاسع عشر من الشهر التاسع ، إلا حين سألت زميلي الذي تبادلت وإياه المواقع بعد ذلك بيومين ؛ فحدثني عن زبون غريب الأطوار ، حجزت له الطاولة المحاذية للنافذة الشمالية واستبدل غطاؤها بآخر بنفسجي من تلك التي كانت مستخدمة في المطعم قبل ذلك بسنوات وما زال في المستودع عدد قليل منها .

( يا لي من مغفل..!)

قلت في نفسي ، كيف لم يخطر ببالي أن أتذكر ما حدث لصاحبنا في التاريخ نفسه من العام الماضي؟!

إنه الموعد السنوي له مع نوبة الجنون هذه … نعم نوبة الجنون وإلا ماذا يعني أن يعود كل شيء بيني وبينه إلى ما يرام في الأيام التالية التي عدت فيها إلى فترتي المسائية المفضلة ، متوجسا من مصيري الغامض في هذا المطعم الذي بدأت أحب فيه هدوء زبائنه ، وحكمة وتواضع صاحبه ، وطقوس عشاقه!

* * * * *

عشية حلول الذكرى السنوية لموعد جنون صاحبنا ، استدعاني صاحب المطعم في العام التالي أيضاً ، طالباً مني أن أفعل الشيء نفسه ، وأن أغيب عن الفترة المسائية ليوم التاسع عشر من الشهر التاسع .

استبد بي الفضول ، ورجوته أن يسمح لي بالحضور غداً ، وبي شوق جارف لمعرفة سر الجنون السنوي لهذا الرجل الرقيق الطيب القلب طيلة العام … لكنه أبى بإصرار قائلاً بلهجة عسكرية لم ينجح في أن يتقن صرامتها :

- نفذ ثم اعترض!

الحقيقة أن الفضول ليس وحده ما أخذ يشغلني بل الغيرة أيضاً! تساءلت في نفسي :

لماذا لا يحق أن يكون لي موعداً سنوياً مع الجنون مثل هذا الرجل؟ بل لم لا أجرب أن أشاركه يومه ، وأن أتعلم منه أطواره الغريبة الغامضة ، التي يحترم صاحب المطعم الذي أعمل فيه جنونها ، ويجلها أيّما إجلال؟!

وهكذا خطرت ببالي فكرة أن أحضر إلى مطعمنا في اليوم ذاته متنكراً بزي رجل عجوز . وقد ساعدني الطقس الخريفي المتقلب على ارتداء معطف من الجوخ الإنجليزي السميك ، لم يرني أحد به من قبل لأنني ورثته عن جدي رحمه الله ، مع عصا خشبية ظل يتوكأ عليها ويضربني بها حتى آخر أيامه! ثم ارتديت قبعة روسية كان قد أهداها لي أحد أصدقائي المثقفين . وزيادة في التخفي لففت وجهي بشال صوفي ، أضاع ملامحي في هذا المكان الذي ألفتني فيه كل الطاولات والزوايا والملاعق والصحون .

جلست على الطاولة الملاصقة لطاولة صاحبنا التي بات غير مسموح لأحد غيره أن يجلس عليها في هذا اليوم بالذات . حضرت في نحو الساعة الخامسة ، وبدأت أراقب زملائي وهم يرتبون له المائدة فيغيرون غطاءها ، وآنية زهورها ، ويضعون أشياء قديمة من المستودع ، ثم يحضّرون كل شيء لشخصين فقط .

كان ذلك ممتعاً بالنسبة لي ، وقد كدت أن أتدخل أكثر من مرة ، فأنبه زميلي لطريقة ترتيب بعض الصحون أو الكؤوس … لكنني أدركت نفسي في اللحظة الأخيرة ؛ إذ لم يكن سهلاً على نادل يعشق مهنته ويحترمها - رغم أنه يحمل شهادة جامعية - أن يمثل دور زبون!

دخل صاحبنا في تمام الساعة السادسة مساء ، وقد فوجئت أنه كان وحيداً . وخمنت أنه ربما ينتظر أحداً سيأتي ، أو بعبارة أدق ستأتي .

جلس على الطاولة التي كانت محط اهتمام ورعاية الجميع . وضع مظلته على حافة الطاولة رغم أن الجو لم يكن ماطراً ولا هو يوحي بأنه سيمطر . خلع معطفه ثم أخرج من جيب قميصه شيئاً وضعه على الطاولة مع علبة السجائر التي استل منها سيجارة وأشعلها ثم بدأ ينفث الدخان .

استبد بي الفضول لمعرفة هذا الشيء الذي أخرجه من جيب قميصه ، مددت رأسي بالقدر الذي لا يثير انتباه أحد ، فلم أستطع أن أعرف . ليس أمامي إذن إلا أن أقوم إلى طاولة صاحبنا لأشحذ منه سيجارة ، فالعجائز كثيراً ما يفعلون ذلك للمزاج أحياناً .

بجانب علبة السجائر كان الشيء الغامض الذي حرك فضولي شريط كاسيت كتب عليه (19\9) وفيما كان صاحبنا يشعل لي لفافة التبغ ، كان زميلي النادل يتقدم ليأخذ الشريط ، بعد أن تلقى من الرجل إشارة توحي بتوقيت معين كما فهمت من نظرته إلى ساعة اليد .

لم أعد أميز الوقت… فقد كنت مأخوذاً بسحر اكتشاف طقوس يوم الجنون السنوي هذا ، ومتعة تمثيـل دور الزبون على زملائي واضطهادهم بالطلبات التعجيزية التي ترضي ساديَّة بعضهم على ما يبدو! لكنني أستطيع أن أقدر أنه بعد حوالي ساعة من بداية جلوس صاحبنا ، أخذ يمارس طقوس جنونه على النحو الآتي :

- يشعل شمعة حمراء وضعت خصيصاً على الطاولة .

- يملأ كأسين من النبيذ الأحمر .

- يتبادل مع الكرسي الفارغ قبالته نظرات حب وهيام لم أرها في عينيه قط .

- تتحول النظرات إلى حوار هامس مع الكرسي الفارغ والكأس الملآن الذي يعلن برنينه مع الكأس الأخرى نخب هذا الجنون .

- يشرب جرعة من كأس ثم جرعة من الكأس الأخرى .

- يمسك شوكة باليد اليمنى وأخرى باليسرى ليتناول بهما بالتناوب أيضاً لقيمات صغيرة .

- يهز رأسه ، يبتسم ، يضحك ثم يبكي ، يتكور على نفسه من الوحدة والبرد ، يتلمس خشب النافذة الشمالية ثم يتكئ برأسه عليها ، يمرر أصابعه على زجاجها الملون بحنان … ثم يعاود البكاء .

استجمعت شجاعتي وفضولي الذين استحالا حزناً دافقاً لم أكن أتصور أنه سينتابني ، وبعزلة ذلك الرجل المسن الذي كنته على الطاولة المجاورة ، تقدمت لأستأذن صاحبنا بالسماح لي بالجلـوس معه لدقائق إن لم يكن ذلك يزعجه . و يبدو أن ذلك أصبح ممكناً بعد أن شرب ليترين من النبيذ الفاخر… لكن الأهم أنني استطعت أن أنتزع منه سر هذا اليوم السنوي المقدس في حياته ؛ فيما كانت أغنية أعتقد أنها لفريد الأطرش تنبعث في أرجاء مطعمنا للمرة الثالثة في تلك الأمسية ، وقد ميزت من كلماتها مطلعها فقط الذي يقول :

( زي النهار ده كان حبك).

* * * * *

لم يكن ما يحدث جنوناً… لم يكن موعداً سنوياً مع الجنون .

التاسع عشر من الشهر التاسع هو يوم ذكرى تعارف ذلك الشاب مع فتاة حبه الأول . على الطاولة نفسها ، في الموعد نفسه ، الأغنية نفسها ، المظلة التي كانت معه ، النافذة المفتوحة على ليالي الشمال ، الغطاء البنفسجي القديم ، الشمعة الحمراء ، الكؤوس ، آنية الزهور القديمة… كل شيء بقي على حاله ؛ (أعيش كل عام على موعد مع هذا اللقاء . أنتصر به على ذكـرى الفراق العنيد ، وأستمد من أطيافه الليـلكية ما أدحض بـه أكاذيب الهجران . لم تغـب عن أحلامي يوماً واحداً قط … أضعت الكلمات ، أنكرت الحقـائق والأوهام لأننـي لا أعترف إلا بذكرى تعارفنا الجميل . أتشبث بالزمن الآفل ، باللحظة الهـاربة ، بالحـب القديم الذي أقفـل الأبواب دون وجهي وترك لي تلك النافذة الوحيدة مشرعة على زمن مضى). يقول لي هذه الكلمات ثم يجهش بصمت ، تختلط فيه نبرة الحزن بالفرح والهزيمة بالانتصار .

* * * * *

مضت تسعة أعوام … كل عام يقول لي الكلام نفسه عندما أعود لأجلس إلى طاولته في الهزيع الأخير من انطفاء تلك الثملة ، حيث يطلب إلي أن أمثّل دور الصديق وأخلع ثياب النادل . كل عام يغـدو أكثر ثقة … أكثر إيمـاناً … حتـى أنني لم أعد أميّز في شخصه بين العاشـق والمجنون .
رد مع اقتباس
الأعضاء الـ 4 التالية أسماؤهم قالوا شكراً لك يا Kliopatra على هذه المشاركة المفيدة:
  #2  
قديم Dec, 20 2006, 05:13
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 1,988
التشكرات: 652
مشكور 1,981 من المرات في 641 من المشاركات
النشرات: 11
Images: 1
بكاء على الأطلال

بكاء على الأطلال

(بقلم محمد منصور)


ملاءة السرير

بكت طويلاً لأن سيجارته التي غفت بين أصابعه ليلة الأمس أحرقت غطاء السرير الذي ظلت تدخر ثمنه طيلة العام لكي تهديه إليه هذا الشتاء.

بكت طويلاً لأنه أحرق وردة البنفسج التي تزين الملاءة الصوفية وجرح نبلها الحزين.

بكت بصمت لأنه سمح لسيجارته ببصيص جمرتها الدءوبة وباستهتاره العبثي المزمن أن تحول كل الدفء الذي ادخرته إلى أطلال وأشلاء سوداء يكسوها رماد الدهشة المرة!



دفتر الرسائل


بكى دفتر الرسائل بعد أن غلبه الشوق زمناً طويلاً إلى هذيان العشق في رسائل الغرام.

بكت سطوره الفارغة لأن اليد التي امتدت إليها أخيراً لم يذكها الوجد ، ولا أضناها السهاد ؛ بل كانت بوقع كلماتها الخشنة القاسية تملأ امتدادات تلك السطور الرحبة بالشك والريبة والقطيعة ، ثم تطلق أعيرتها النارية بشكل عشوائي لتدمي بياض الصفحة المسجاة وتقطع أوصالها الأليفة!



ربطة العنق


بكت ربطة العنق من شدة تململ صاحبها وأنين حزنه المكتوم!

بكت وهي ترهف السمع منذ زمن إلى تهدج حباله الصوتية ، واختلاجات نبرته الجريحة ، وغصة الخيبة التي بدأت ترسم في عنقه ورماً التوائياً خفياً ظل يكبر بصمت يوماً بعد يوم .

بكت ربطة العنق هذا المساء لأن صاحبها - الذي كان يختنق وحيداً - لم يقو على أن يفك طوقها المنعقد بأناقة حول عنقه كي يستريح … ولا أن يصرخ حين كانت تلك الغصة اللعينة تجهز على آخر ما تبقى له من حب وأمل في هذه الحياة.



جدران الطين


بكت جدران البيت العتيق حين كان معول الهدم يستبيح دفء طينها ، وحنو ترابها ، وذكريات عاشقين سطّرا على ملمسها ضوع الأمنيات في ذلك الزمن المنسي الذي غفا على نبض سواعدهما.

بكت أطلال البيت القديم وهي ترمق بصمت وألم حجارة الإسمنت التي بدأت تنتشر كجند الاحتلال ، ثم أخذت تعلو دونها ، فيما هي تلقي نظرة الوداع الأخيرة على المكان منتظرة موعد الرحيل على متن سيارة الأنقاض في زمن المنفى .



مونولوج الحكواتي الأخير


إلى أين أذهب؟!

توارى المتسامرون ، وانطوى ليل الحالمين والعشاق.

أقفل المقهى أبوابه في وجه زمني الشاحب ، ولملمت الريح آثار بكائي على أطلال الحكايات. لم تعد لي قصيدة أنشدها … ولا قصة أرويها .

لم تعد لي حماسة أذكيها في أخيلة السامعين ، ولا مرثية أتوارى خلف أحزانها!

إلى أين أذهب؟!

من سيحتفي بغيابي ، من سيقتفي ظل روحي حين ترتمي على قارعة الصمت؟

من سيمسد خطاي المنسية حين تتعثر بكل هذا النشيج وكل هذا الأفول؟!
رد مع اقتباس
الأعضاء الـ 5 التالية أسماؤهم قالوا شكراً لك يا Kliopatra على هذه المشاركة المفيدة:
  #3  
قديم Dec, 20 2006, 19:13
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 1,988
التشكرات: 652
مشكور 1,981 من المرات في 641 من المشاركات
النشرات: 11
Images: 1
ما أقسى الرجوع إليه

ما أقسى الرجوع إليه


(محمد منصور)


حدث في أحد شوارع المدينة المكتظة بالصخب واللهاث ، أنه في يوم من آخر أيام الصيف ، توقفت فجأة سيارة أجرة صفراء كانت تقل عاشقين في مقعدها الخلفي … ثم ترجلت الفتاة من السيارة التي فتح بابها الأيمن بعنف لا يقل إثارة للانتباه عن عنف الصفعة التي ودعت بها الفتاة الشاب في تلك اللحظة ، قبل أن تمضي مسرعة لتغيب وسط جموع المارة .
هل كان شجاراً أو خلافاً على مسألة تافهة؟ هل قال ما جرح كرامتها؟ وهل كانت على صواب إلى الدرجة التي يتوجب عليها أن تثأر لكبريائها على الفور وبهذه الطريقة المفاجئة كما بدت لبعضهم ، والمألوفة كما اعتبرها البعض الآخر؟!
كل شيء حولها بدا مسرعاً ، وكأن السيارة حين توقفت ، تبادلت السرعة والثبات مع كل ما دونها من حجر وبشر وجماد .
كل شيء حولها بدا مضطرباً ، غائماً ، رجراجاً : الخطى ، الطريق ، الأرصفة ، الشوارع ، واجهات المحلات والأبنية ، وعبارات الغزل التي كانت تتطاير كما الشرر في عينيها المتقدتين بالغضب .
تفتح باب البيت بمفتاح مضطرب كما لو أنه يسيل زئبقاً بين أصابعها ، تدخل مسرعة إلى غرفتها ، وترتمي على السرير ثم تجهش ببكاء مر .

* * * * *

كان يتعمد إهانتي!
لا تفسير للأمر غير ذلك … لا تبرير له . للمرة الثالثة يناديني باسمها … للمرة الثالثة تستعير شفاهه ذلك الاسم من ذاكرة متواطئة مستلبة .
كيف لي ألا أشعر بضآلة حضوري أمام سطوة غيابها؟!
كيف لي أن أرد هذه السطوة عن زمني ، كيف لي أن أحتج سوى بهذه الطريقة وقد اشتعلت شهوة الانتقام في كل ذرة من جسدي؟
تكفكف اضطرابها ، تنشر التعب على صدر وسادتها ، ثم تنهض كلبوة جريحة :
إذا تجرأ على الاتصال بي فلن أرفع سماعة الهاتف ، سأنتشي برنينه الملحاح وهو ينتظر أن أرد عليه دون جدوى . وإذا تجرأ أكثر وأتى إلى هنا فسأغلق الباب في وجهه ، سأطرده بلا وازع من حب أو شفقة وسأجعله يتمنى لو لم يعرفني!

* * * * *

لا أعرف كم من الوقت مضى .
ساعة .. ساعتان .. ثلاث .. بالتأكيد لن يتجرأ على الحضور بعد الآن . ما زال مرتبكاً مما حدث ، لا يعرف كيف سيستجمع شتات مشاعره وأفكاره ، لا يعرف كيف سيجد مبرراته الواهية ، وكيف سيصوغ عبارات اعتذاراته المفعمة بالتوسل والرجاء ، لكنه سيحاول الاتصال بي ، أعتقد أنه يحوم حول الهاتف ، يضرب الرقم ثم يغلق السماعة من شدة الحيرة والارتباك .
إذا اتصل ليعتذر فسأرد عليه ، وأقول له ما كان يجب أن أقوله منذ سنوات ، منذ انتشلته حطاماً يعاني - مع حبه الأول - سكرات النزاع الأخير … ثم سأقرر : آسفة اعتذارك ليس مقبولاً … لا قيمة له!

* * * * *

ها قد انقضى هذا اليوم …
سأمنحه فرصة إلى الغد فقط ، فرصة الحديث معي أو رؤيتي للمرة الأخيرة في حياته … سيكون يوماً مشهوداً لن ينسى ، سأثأر فيه من قهر كل السنوات التي أضعتها معه!

* * * * *

في اليوم التالي تأتي إلى عملها متأخرة على غير العادة .
(هل اتصـل بي أحد؟) تسأل زميلتها . إذا حاول الاتصال بي إلى هنا فسأقول له إن هذا مكـان عمل … والهاتف ليس مخصصاً لمناقشة مشكلات العشاق الفاشلين أمثالك … إذا أردت الحديث اتصل بي في البيت . أما إذا انتظرني أمام الباب بعد انتهاء الدوام الرسمي ، فسأقابله بجفاء ، وسأمشي معه على الرصيف بنفور واضح ، ثم أستمع إلى اعتذاره بصمت دون أن أنبس ببنت شفة!

* * * * *

إذا أتى اليوم أو حاول الاتصال فلن أرد عليه بجفاء تام ، سأستمع إليه ، ربما سأصمت كثيراً ، ربما ستفلت مني كلمة قاسية على غير العادة لكنني لن أتمادى في قطيعتي .. يكفي أن يعتذر .
* * * * *
إذا أتى هذا الأسبوع فلن أقسو عليه .
سأقبل اعتذاره الرقيق … تكفي ابتسامة عتب ، أو بعض عبارات اللوم التي يداري بها العشاق زلاتهم ، ويغفرون إثرها أخطاء بعضهم .

* * * * *

إذا تمكن من تجاوز خجله والاتصال بي بعد كل هذه المدة ، سأقبل اعتذاره على الفور .
سأطوق ندمه بابتسامة امتنان ، سأقول له إن وفاءه لحبه الأول على هذا النحو ، واستسلامه الأليف لذكراها بعد كل هذه السنوات خليق أن يزيد من إعجابي وتقديري له … بغض النظر عن موقعي في حياته الآن ، وموقعه الهام في حياتي!

* * * * *

مضى الصيف آخذاً معه حريق الترقب ولهيب الانتظار .
جاء الخريف وتساقطت على دروبه الذهبية مبررات الاعتذار التي كانت تدافع عنها ، ثم لا تلبث أن تستسلم دونها .
رحل الشتاء … وأطل الربيع ، واعتذاره المنسي صار سراباً في صحراء الإياب .
هي الآن لا تطلب ضماداً لجرح كبريائها … لا ترتجي عزاءً لعودتها الهادئة إليه ، واستسلامها اليائس على أعتاب حياته من جديد بعد أن خذلتها الأشواق .
(أشتهي فقط أن أصحو من وهم أنه لا بد سيأتي اليوم الذي سيعتذر فيه ؛ ذلك الاعتذار الرقيق الذي ينعش أرواح العشاق المتعبة ، وينفض عنها الغبار … ذلك الاعتذار المضمخ بالحب العامر بالرجاء).




ما أقساك ... أيتها الحسرة

رد مع اقتباس
الأعضاء الـ 8 التالية أسماؤهم قالوا شكراً لك يا Kliopatra على هذه المشاركة المفيدة:
  #4  
قديم Sep, 22 2007, 18:52
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 1,988
التشكرات: 652
مشكور 1,981 من المرات في 641 من المشاركات
النشرات: 11
Images: 1
ممكن ارفع الموضوع ؟



لأن اليوم هو اللي بيحدث فيه ...
رد مع اقتباس
الرد

Bookmarks
أدوات الموضوع

 


المواضيع المشابهة
الموضوع مبتدئ الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
يحدث في مشفى الرازي - مكرر Shankool الإخباري 22 Feb, 09 2008 07:37
ماذا ستفعل في هذا الصيف؟ sadekly اجتماعيات 19 Aug, 29 2006 19:06
هل يحدث في هذه الحالة حمل؟ زائر استشارات طبية 3 Aug, 08 2006 11:27


تم توليد الصفحة خلال 0.52101 ثانية باستخدام 12 من الاستعلامات

Valid XHTML 1.0 Transitional Valid CSS! Get Firefox!! Add to Google

كل الأوقات حسب GMT +2، والوقت الآن 14:11.


Powered by vBulletin - Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.1.0 ©2007, Crawlability, Inc.
CMPS & Link Directory are powered by vBadvanced
Photo Gallery is Powered by PhotoPost vBGallery
Copyright ©2004 - 2008, Syrian Medical Society