| ثلاثة رجال و أنا و سيارة المعلم هنادي مظلوم (نقلاً عن شنرة كلنا شركاء في الوطن) ثلاثة رجال وأنا وسيارة المعلم.. دمشق المثقلة هماً تطرح ألماً يوماً بعد يوم.. رجال تنتفض حزناً وغماً ونساء يملؤهن الفراغ ينتظرن أن يقرع أبوابهن خبر أو كذبة أو ربطة خبز.. دمشق التي يكفي أن تخرج معافى إلى شوارعها لتعود منها محملاً بألف وعكة وطرفة.. واليوم هو يوم آخر من أيام صيفها الساخن.. الفصول تمضي والعمل لا يتوقف..
فجأة أحس بحركة غريبة حول السيارة التي أنتظر على مقعد فيها بالقرب من مدخل إحدى المؤسسات العامة ريثما تنتهي صديقة لي من إجراء إحدى المعاملات في المصرف المجاور، ثلاثة رجال يجيئون ويروحون والقلق مرتسم على وجوههم المتلفتة يميناً ويساراً، أحدهم يضرب بيديه أخماساً بأسداس بينما يتمتم له الآخر ببعض العبارات، همست في نفسي: لا بد أن الأمر على درجة عالية من الأهمية!.. وفجأة يقترب الثالث من نافذتي قائلاً لي بقلق: " يا ريت تشيلوا السيارة، سيارة المعلم هلق جاية وإذا شافكون واقفين هون رح يزعل".. انتابتني ضحكة رنانة لم تسمح لي سذاجة الموقف بكتمانها.. قلت له محاولةً إراحته نفسياً: "ولو، كلشي إلا زعل المعلم".. وعاودتني الضحكة.. وأخذت أفكر: ثلاثة رجال طوالٍ عراضٍ موظفين لسيارة المعلم!!.. وسيارة المعلم لم تأت بعد!!.. وهذا يسمح لي بتخيل مراسم استقباله اليومية: ثلاثة رجال تحت الشمس صيفاً والمطر شتاءاً بانتظار وصول سيارته، وهذا يحتم وجود موظف رابع كسائق له، وربما خامس ليفتح له الباب ويحمل عنه حقيبة يده السوداء التي توحي بأعبائه الكثيرة التي حملها معه ليعود بها محلولة من منزله الجديد الذي سجله مؤخراً باسم زوجته، زوجته التي تذكره باستمرار بسنوات الفقر التي صبرت فيها معه وكأنها أول وآخر السوريات الصابرات، وقذفت مخيلتي إلى السطح بموظف سادس يحمل للمعلم شمسية سوداء يظلله بها ريثما يعبر مسافة المترين التي تفصل بين الشارع ومكتبه، فشمس دمشق الصيفية حارة وشتاؤها قارس، والمسكين مذ تعين مديراً عاماً وهو لا يَحتمِل، ونحن بحاجة ماسة إليه، والبلد ربما برأيهم خلت من شخص كفء يحل محله!!..
ويقولون بعد ذلك إننا لسنا بحاجة إلى معجزة؟!!. |