زوربا

يدور هذا النقاش حول زوربا في قسم قصص وروايات في الملتقى الطبي السوري; --> ... حبيت نزل ... الكتاب اللي يمكن هلكتكون حكي عنو رح حاول كل أسبوع نزل فصل منو .. وهيك منقرا كلنا سوا
عودة   الملتقى الطبي السوري > العموميات > الثقافة > قصص وروايات


القرحة القلاعية Aphthous Ulcersكلمة بكلمة مع مادة النسج (حمل المحاضرة الثالثة من فضلك)عندي مذاكرة تشريح 1 بكرى ومالي ملحق .......شو بدي اساوي؟!!!؟
استفسارات بخصوص الفيزيولوجياخلونا نحل اسئلة دورات الفيزيولوجيا سوا ...Go 


الرد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم Feb, 22 2006, 06:29
zorba
فتاة - طب أسنان - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Oct, 24 2005
العمر: 24
المشاركات: 288
التشكرات: 64
مشكور 74 من المرات في 38 من المشاركات
النشرات: 5
زوربا

... حبيت نزل ... الكتاب اللي يمكن هلكتكون حكي عنو رح حاول كل أسبوع نزل فصل منو ..
وهيك منقرا كلنا سوا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم Feb, 22 2006, 06:41
zorba
فتاة - طب أسنان - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Oct, 24 2005
العمر: 24
المشاركات: 288
التشكرات: 64
مشكور 74 من المرات في 38 من المشاركات
النشرات: 5
الفصل الأول
التقيته بها في مرفأ " بيريه " عندما كنت متوجها لأخذ القارب إلى " كريت " ، كانت أول مرة كان الصباح على وشك أن ينبلج ، و السماء تمطر ، و كان رذاذ الموج يصل إلى زجاج المقهى الصغير الذي كانت أبوابه الزجاجية مغلقة ، و كان الطقس باردا في الخارج ، و قد عبق الجو داخل المقهى بأنفاس رواده .
و كان هناك خمسة أو ستة يجلسون في المقهى منذ الليل الفائت ، و قد التفوا لباسهم القاتم المصنوع من وبر الماعز يشربون القهوة و يدخنون و ينظرون إلى زجاج المقهى العابق و إلى البحر الهائج الهادر في الخارج ، و كانت الأسماك في البحر قد التجأت إلى الأعماق بانتظار هدوء العاصفة عند سطح الماء ، كما كان البحارة و الصيادون ينتظرون بدورهم أيضا هدوء العاصفة ، حتى تصعدالأسماك إلى سطح الماء لتأكل الطعم .
و فتح باب المقهى الزجاجي و ولد منه عامل قصير القامة ، أسمر اللون ، عاري الرأس ، حافي القدمين و قد صبغ بالأوساخ من قمة رأسه إلى أخمص قدميه .
- هاي ! كوستاندي ! كيف هي الأمور معك ؟
هتف بحار عجوز يرتدي سترة زرقاء ، و أجابه المدعو كوستاندي بعد أن بصق على الأرض :
- ماذا تعتقد ؟ في الصباح إلى البار و في المساء إلى البيت ، صباح الخير أيها البار و مساء الخير أيها المنزل ! هذه هي حياتي التي أعيشها الآن ، فليس لدي من عمل أعمله .
و ضحك بعض الحضور بينما شتم البعض الآخر ، و هم يهزون برؤوسهم :
- هذا العالم هو سجنٌ مؤبد ، نعم إنه سجنٌ مؤبد ، عليه اللعنة .
و دلف عبر زجاج المقهى الوسخ شعاعٌ أزرق ، و تعلق بالأيدي و الأنوف و جباه الحاضرين ، ثم تسلل إلى البار و أضاء الزجاجات الفارغة ، و خفت الضوء الكهربائي ، و تمطأ صاحب المقهى الذي كان نصف نائم ، و مسد يديه بحركة متكاسلة كأنه يستقبل ضوء النهار الجديد ، و بعد فترة من الصمت قال البحار العجوز متنهداً :
- ترى ماذا جرى للكابتن ليموني ؟ كان الله في عونه !
و نظر بغضب إلى البحر ثم صاح :
- لعنك الله من بحر أثيم مخرب للبيوت !
ثم عض على شاربه الرمادي .
كنت جالسا في زاوية المقهى من شدة البرد ، و طلبت كأسا ثانيا من الشراب ، و شعرت بالنعاس لكني قاومت الرغبة في النوم و التعب ، و جلست أنظر من خلال الزجاج إلى المرفأ الذي بدأ يضج بالحركة و بصفارات البواخر ، و بصياح سائقي العربات .
كانت عيناي عالقتين في مقدمة باخرة سوداء كبيرة ، كانت لا تزال مغمورة بظلام الليل القاتم ، و كانت السماء تمطر ، و باستطاعتي مشاهدة خيوط الماء المنهمر تربط السماء بالوحل
نظرت إلى الباخرة السوداء ، و تجسدت كآبة الذكريات الماضية ، و دفعت الأمطار بصورة وجه صديقي الكبير ، هل كانت السنة الماضية ؟ في عالم آخر ؟ البارحة ؟ متى كانت حين نزلت إلى هذا المرفأ بالذات لأقول له وداعاً ؟ لقد كانت السماء ممطرة ذلك الصباح ، أيضا ، و في تلك المرة كان قلبي مثقلا تماما شأنه اليوم .
كم هي مؤلمة ساعة الفراق البطيئة ، خاصة فراق الأصدقاء العظام ! ، فالأفضل الانقطاع دفعة واحدة ، و العودة إلى الوحدة – الجو الطبيعي للرجل ، و لكن ، في ذلك الصباح الممطر لم يكن باستطاعتي ترك صديقي ( و قد علمت لماذا ، فيما بعد ، و لكن للأسف كان ذلك بعد فوات الأوان ) ، لقد صعدت معه إلى ظهر المركب و دخلتُ إلى مقصورته الملأى بالحقائب المبعثرة ، كأنني كنت راغبا في أن أدون ملامحه في مخيلتي ، عينيه المضيئتين بالأزرق ، وجهه الفني ، و ملامحه الذكية ، و فوق كل ذلك يديه الارتسقراطيتين و أصابعهما الطويلة النحيلة .
و حين فاجأني و أنا أحدق به بشوق ، و نظر إلي و قد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي يلجأ إليها حين يريد أن يخفي انفعاله ، و فهم ! ، سألني مبتسما ساخراً :
- إلى متى ؟
- ماذا تعني بإلى متى ؟
- إلى متى ستبقى على عادة مضغ الورق و التلوث بالحبر ؟ لماذا لا تأتِ معي بعيدا في القوقاز هناك الألوف من أبناء جلدتنا في خطر عظيم ، تعال لننقذهم .
ثم راح يضحك كأنه يهزأ من نبله ، قال:
- ربما ، لن نقدر على مساعدتهم ، و لكن ألم تكن تعظ " إن الطريقة الوحيدة في تخليص نفسك هي في مساعدة الآخرين " ؟ حسنا ، أيها المعلم ، إلى الأمام ، و أنت ممتاز إلقاء المواعظ ، لماذا لا تأتِ معي ؟!
و لم أجبه ، و فكرت بأراضي الشرق الساحرة ، و أم الآلهة العجوز ، و صراخ بروميثيوس المسمر إلى الصخور ، و هناك على هذه الصخور نفسها كان عِرقنا مسمراً ، لقد كان ينادي و يصرخ !! لقد كان ينادي طالبا المعونة من أبنائه ، و كنت أسمع النداء كأن الألم هو حلم و الحياة هي مأساة محيقة ، يثبت فيها من يأخذ حصته من العمل في مسرح الحياة .
و بدون أن ينتظر جوابا مني ، نهض صديقي ، و صفرت الباخرة معلنة عن الإقلاع للمرة الثالثة و مدّ يده إليّ ، محاولا إخفاء انفعاله بابتسامته الساخرة ، ثم قال :
- إلى الملتقى ، يا عثّ الكتب !
و ارتجف صوته ، و قد شعر بالخجل لأنه لم يتمكن من السيطرة على عواطفه ، فقد كانت الكلمات الرقيقة ، و الحركات المضطربة ، تبدو له ضعفا لا يجوز للرجل أن يأخذ بها ، نحن ، الذين كنا مولعين ببعضنا أشد الولع ، لم نتبادل أية كلمة من كلمات العطف و المحبة ، لقد مثلنا و خدشنا بعضنا بعضا كأننا قطط متوحشة .
هو : الذكي ، الساخر ، المتمدن ، و أنا : الهمجي ! ، لقد تمرن على ضبط النفس و إخفاء كل العواطف تحت ستار السخرية ، بينما كنت أنا أنفجر بضحكتي الوحشية البلهاء .
لقد كنت أحاول دوما أن أخفي انفعالي و عواطفي بكلمة قاسية ، لكني شعرت بالخجل ، لا ، ليس الخجل بالذات ، و لكن سوء التصرف ، و أمسكت بيده و لم أقو على تركها ، فنظر إليّ مندهشا :
- هل أنت منفعلٌ لهذا الحد ؟!
و أجبته بهدوء :- نعم .
لماذا ؟ و لكن ماذا قلنا الآن ؟ ألم نتفق على ذلك منذ سنين ؟ ماذا يقول الأحباء اليابانيون " فودوشين " ! ، الوجه قناعٌ يبتسم ، و لكن ما يدور هذا القناع ليس من شأننا !
- نعم .
أجبته محاولا جاهدا أن لا أورط نفسي بعبارات طويلة ، و لم أكن واثقا من أنني قادر على ضبط صوتي .
و دوى صوت صفارة الباخرة ، معلنا طرد الزوار من غرف المسافرين ، كان المطر ينهمر خفيفا ، و كان الهواء عابقا بكلمات الوداع الرقيقة ، القبلات الطويلة ، التأوهات و التوصيات اللاهثة الخاطفة ، و تهافت الأمهات على الأبناء ، و الزوجات على الأزواج ، و الأصدقاء على الأصدقاء ، كأنهم سيفارقونهم إلى الأبد ، كأن هذا الفرق يعني " الفراق الكبير " ، و انطلقت الصفارة من جديد كأنها أجراس الجنائز ، فارتعدت !
- اسمع ، هل أنت متشائم ؟
- نعم .
- هل تؤمن بهذه الهواجس ؟
و أجبته بالتأكيد : كلا .
- إذن ؟
و لم يكن هناك من " إذن " فلم أكن أؤمن بها ، و لكن كنت خائفا ..
و رمش صديقي بجفونه مرتين أو ثلاثاً ، و حدّق بي مرة أخرى ، لقد فهم أني منفعل و حزين ، فتردد في إخفاء اضطرابه بالسخرية و الضحك ، و قال : حسناً ! أعطني يدك ، إذا قدر لأحدنا أن يجد نفسه في خطر الموت .. و توقف ، كأنه شعر بالخجل ، نحن الذين كنا نهزأ من هذه النزوات الميتافيزيقية لسنواتٍ خلت !! ، و سألته محاولا أن أحذر :
- حسنا ؟!
- لننظر إليها كأنها لعبة ، إذا قدر لأحدنا خطر الموت ، فليفكر في الآخر بشدة لدرجة أن ينبهه حيثما كان .. هل اتفقنا ؟!قال ذلك محاولا أن يضحك لكن الابتسامة جمدت على شفتيه
- اتفقنا .
و أضاف صديقي مسرعا ، خوفا من أن يكون قد أفصح عن عواطفه :- مع العلم ، أني لا أؤمن إطلاقا بعلم قراءة الأفكار ، و ما شابه ..
طمأنته متمتماً : لا بأس ، و ليكن ..
- حسنٌ جداً ، و الآن لندع الموضوع عند هذا الحد ، اتفقنا ؟
- اتفقنا .
كانت هذه كلماتنا الأخيرة ، و تصافحنا بحرارة ، و مشيت مسرعا دون أن أنظر إلى الخلف ، كأنني كنتُ مطارداً ، و شعرتُ برغبة في إلقاء نظرةٍ أخيرةٍ على صديقي ، لكني تمالكتُ نفسي و قلت " لا تنظر إلى الخلف ! تقدّم ! " .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم Feb, 22 2006, 06:52
zorba
فتاة - طب أسنان - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Oct, 24 2005
العمر: 24
المشاركات: 288
التشكرات: 64
مشكور 74 من المرات في 38 من المشاركات
النشرات: 5
كان الضوء ينتشر رويدا رويداً ، و الصباحان يبدوان متداخلان ، و ظهر لي وجه صديقي واضحا الآن ، الذي بقي لمدة طويلة تحت المطر ، و يبدو حزينا ساكناً .. و انفتح الباب و دخل رجلٌ قصير القامة ، مقوّس الساقين ، ذو شاربٍ متدلٍ ، و تعالت أصواتٌ فرِحة :
- أهلاً ، كابتن ليموني !
و انتشر الضوء ، و أخذ الكابت مسبحته و راح يطقطق بها بعصبية ، بينما انزويتُ أنا في مقعدي محاولا أن أستعيد تلك الصورة التي كانت تذوب مبتعدةً عني ، لو أتمكن من أن أعيش مرة أخرى هذه اللحظة من الغضب الذي تملكني حين قال صديقي " عث الكتب " ! ، و تذكرت أن كل القرف من الحياة التي كنت أحياها قد تجسد في هذه الكلمات ، كيف تمكّنتُ أنا ، الذي كنت أحب الحياة ، أن أدفن رأسي بين أكداس الكتب و الأوراق الملطخة بالحبر ! لقد ساعدني صديقي في ذلك اليوم ، يوم الفراق ، على الرؤيا بوضوحٍ أكبر ، و شعرت بالاطمئنان ، و الآن بعد أن علمت اسم حزني مصدر شقائي فباستطاعتي التغلب عليه بسهولة ، و لم تعد أحزاني متفرقة ، فقد تجسدت و أصبحت تحمل اسما ، لذلك أصبح بإمكاني مقارعتها بسهولةٍ أكبر .
لقد أثر هذا التعبير علي و دخل في أعماق نفسي ، و قد حاولتُ البحث عن حجة لأترك الورق و الكتابة و أحيا حياة أكثر مغامرة و حركة ، لقد أصبحت مستاءً من حمل هذه الحشرة البائسة مضافة إلى اسمي ، و قد سنحت لي الفرصة منذ شهر ، فقد استأجرت منجما في جزيرة كريت مواجها لبحر ليبيا ، و سأذهب اليوم إلى هذا المنجم القديم لأعيش مع رجال بسطاء ، عمال ، فلاحين ، بعيدا عن جنس " عث الكتب " .
و أعددتُ العدة للسفر ، كأن هذه الرحلة تخفي وراءها معانٍ كثيرة ، فقد عزمت على تغيير منهجي في الحياة ، و قلت لنفسي " لغاية اليوم ، لقد شاهدت الظل و كنت مكتفية به ، و الآن سأقودك إلى الجسم " .
و عندما انتهيت أخيرا ، و في ليلة سفري بينما كنت أقلب أوراقي ، عثرت على مخطوطة لم تنته بعد ، و أخذتها بيدٍ مشدودة ، منذ سنتين كانت الرغبة كامنة في أعماق نفسي ، رغبة قوية جامحة ، رغبة أشعر بها تتآكل في أحشائي كل لحظة ، لقد كانت تنمو و تنضج و ترفسني في صدري تطلب أن تخرج إلى الوجود ، و الآن لم يعد بإمكاني أن أطرحها ، لم أعد أجرؤ على ذلك ، لقد فات الوقت لهذا الإجهاض النفسي .
و بينما كنت ممسكا بالمخطوطات تلك ، ظهر أمامي وجه صديقي الساخر فقلت بصوتٍ مرتفع بعد أن شعرت بألم السخرية : " سآخذها معي ، سآخذها ، لا تضحك !! " ، و لففتُ المخطوطة بعناية و حملتها .
و عاد إلى مسمعي صوت الكابتن ليموني ، وقورا قاسيا ، و أصغيت إلى حديثه الذي كان عن العفاريت التي تسلقت صاري مركبه أثناء العاصفة و راحت تلحسه :
- لقد كانت لزجة ، و كان الإنسان حين يلمسها يشعر بالنار تحرق يديه ، لقد ملست شاربي و نظرت إليها في الظلام و أنا أشع كالعفريت ، و كما قلت ، لقد طغى البحر على مركبي و أغرق شحنتي من الفحم و بدأ مركبي يميل في هذه اللحظة ، ترفق الله العظيم و رأف بي و أرسل صاعقة حطمت أخشاب الأبواب و انزلق الفحم إلى البحر ، و خف وزن المركب من حمولته و عاد إلى وضعه السابق ، و بذلك أنقذتُ نفسي .
و بينما كنت أصغي باهتمام لما كان يقوله البحار العجوز ، شعرتُ بالانزعاج فجأة فرفعتُ رأسي ، لست أعلم كيف ، لكني شعرت أن عينين اثنتين تحدقان بجمجمة رأسي من الخلف ، و التفتّ مسرعاً باتجاه الباب الزجاجي ، و قد ومضت في رأسي فكرة مجنونة : سأرى صديقي مرة ثانية ! لقد كنتُ مهيأ لاستقبال المعجزة ، لكنها لم تحصل ، فقد رأيتُ رجلا غريبا يبلغ من العمر ستين عاما ، طويل القامة ، نحيف الجسم ، عيناه جاحظتان ، و قد ألصق بأنفه على زجاج الباب و هو ينظر إليّ ، و كان يحمل صرّة صغيرة تحت ذراعه .
و قد أثارني فيه نظرته المتشوقة ، و عيناه الحادتان المتوقدتان ، أو هكذا بدتا لي على كل حال ، و ما إن تقابلت نظراتنا ، و تأكد أنني الشخص الذي يبحث عنه ، حتى فتح الباب بقوة و اندفع إلى الداخل ماراً بين الطاولات بخطى سريعة ، و تقدم نحوي ووقف قرب طاولتي ثم قال :
- هل أنت مسافر ؟ و إلى أين ؟
- مسافر إلى كريت ، و لكن لماذا تسأل ؟
- هل تأخذني معك ؟
و نظرت إليه باهتمام ، كانت خدوده مجوفة ، و فكه صلبٌ قاسٍ ، و وجنتاه ناتئتان ، و شعره الرمادي مجعد و عيناه متوقدتان .
- لماذا ؟ و ماذا أفعل بك ؟
و هز بكتفيه و قال :
- لماذا ، لماذا ؟ ألا يستطيع المرء أن يفعل شيئا دون لماذا ؟ للاشيء ، لأن المرء يريد ذلك ! خذني معك كطباخ مثلا ، إن باستطاعتي أن أطبخ حساءً لم تذق مثله في حياتك .
و رحتُ أحدق به و أنا أضحك ، فقد أعجبني هذا المخلوق كما أعجبني الحساء ، فقلت في نفسي إنه ليس ثمة ضرر في أن آخذه معي ، فيبدو أنه قد جاب البحار طويلاً ، فهو أشبه بالسندباد البحري .. و قد أعجبني !
قال لي و هو يهز برأسه الضخم :
- و بماذا تفكر ؟ هل توازي الأمر بنفسك ؟ هيا أيها الصديق اعتمد و قرر لنفسك ..
- اجلس الآن و خذ قدحا من الشراب .
- حسناً ، و لكن كأسا من " الروم " ينفعني أكثر .
و سألته بعد أن تناول كأس الروم و راح يتذوقه بهدوء :
- ما نوع العمل الذي تتقنه ؟
- كل الأنواع ، بالأرجل و الأيدي و الرأس ، جميعهم !
- أين كنت تعمل في السابق ؟
- في منجم ، فأنا خبيرٌ في عمل المناجم ، كما أنني خبير في المعادن ، أنا أعرف كيف أجد العروق ، أحفر الأنفاق ، و أهبط إلى الحفر العميقة دون أن أخاف ، لقد كنت أعمل جيدا فقد كنت رئيسا على العمال ، و كنت لا أشكو من شيء ، و لكن الشيطان تدخل في عملي ، فيوم السبت الماضي جاء صاحب المنجم ليفتش بين العمال ، فأمسكت به و أوسعته ضربا .. هكذا ، دون أن أكون سكراناً .
- و لكن لماذا ؟ و ماذا فعل لك ؟
- لي ؟ لا شيء على الإطلاق ، فقد كانت المرة الأولى التي أراه فيها ، فالمسكين قد وزع علينا السجائر أيضاً .
- حسنا ؟
- أوه ، مالك تجلس هكذا و تطرح الأسئلة ؟ لقد خطر لي ذلك ، هذا كل ما في الأمر ، تعلم قصة زوجة الطحان ؟ حسنا ، فلا يمكنك تعلم الإملاء من مؤخرتها ، مؤخرة زوجة الطحان ، فهذا هو المنطق الإنساني .فنظرتُ إلى رفيقي الجديد بمزيد من الاهتمام ، فقد أعجبني تحليله للأمور للمنطق ، ثم سألته :
- و ماذا تحمل في صرتك هذه ؟ طعام ؟ ملابس ؟ أم معدات ؟
و رفع صديقي بكتفيه و ضحك :- إنك تبدو كثير التعلق ، أرجو المعذرة لهذا .
و ضرب على صرته بأصابعه الطويلة القاسية و قال : كلا ، إنها السانتوري .
- السانتوري ؟ و هل تعزف عليها ؟
- نعم ، عندما أكون مفلساً أذهب إلى الحانات ثم أعزف عليها و أنشد بعض الأغاني المقدونية القديمة ، ثم أبدأ بجمع النقود من الزبائن في قبعتي ، فتمتلئ بعد قليل بالدراهم .
- ما اسمك ؟
- الكسيس زوربا ، و في بعض الأحيان يدعونني " مجرفة الفئران " لأنني طويل القامة وجمجمتي مسطحة و تشبه الكعكة ، كما أنني أدعى " مضيّع الوقت " لأنني كنت أبيع البزر المحمص في وقتٍ من الأوقات ، و هم يدعونني أيضا " المعفن " لأنني أسبب المشاكل أينما حللت ، كل شيء يذهب للكلاب ، و لي أيضا أسماء أخرى ، و لكني سأدعها لفرصة ثانية .
- و كيف تعلمت العزف على السانتوري ؟
- كنت في العشرين ، فسمعت السانتوري لأول مرة في إحدى الاحتفالات القروية ، هناك عند قدم جبل أوليمب ، فبهرت لتوي حين سمعت النغم ، و بقيت ثلاثة أيام دون طعام ، و سألني والدي رحمه الله " ماذا جرى لك ؟ " ، فقلتُ له أنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري ، فقال لي " ألا تخجل من نفسك ؟ هل أنت غجري ؟ هل تريد أن تتحول إلى عازف ؟ " فأجبته " نعم ، أنا أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " و كنت قد ادخرتُ بعض القروش لكي أتزوج حين يحين الوقت ، فقد كنت لا أزال فتيا و دم الشباب لا يزال يجري حارا في عروقي ، و أريد الزواج ، أنا الغبي المسكين ! و هكذا دفعت كل ما ادخرته نم مال ثمنا لشراء السانتوري ، و هربت إلى سالونيك حيث قابلت رجلاً تركيا يدعى رستب أفندي ، و هو معلمٌ ماهر للعزف على السانتوري ، فقلتُ له " إنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " فقال " حسنا ، و لكن لماذا ألقيت بنفسك على أقدامي هكذا ؟ "
- لأني لا أملك مالاً لأدفعه لك .
- و أنت مغرم بالسانتوري إلى هذا الحد ؟
- نعم .
- حسنا ، يمكنك البقاء يا ولدي ، فأنا لستُ بحاجةٍ إلى مالك .
و بقيتُ عنده سنة أتعلم العزف ، و هو لا بد أن يكون قد مات الآن ، رحمه الله ، و إذا كان الله تعالى يسمح بدخول الكلاب إلى جناته ، فلعله يفتح أبواب الجنة لرستب أفندي ، و منذ أن تعلمت العزف على السانتوري حتى أصبحت رجلا آخر ، فعندما أشعر بالحزن ، أو حين أكون مفلسا ، أعزف على السانتوري فأشعر بالسعادة و الانشراح ، و عندما أعزف لا أسمع شيئا مما يقولونه لي ، و إذا سمعت فلا يمكنني الكلام ، ولا فائدة من المحاولة فأنا لا أستطيع ... "
- و لكن لماذا ، زوربا ؟
- أوه ، ألا ترى ؟ إنه الهوس المحموم ، نعم إنه الهوس
و فتح باب المقهى من جديد و سمعت هدير البحر ، و كانت أيدينا و أرجلنا متجمدة من شدة الصقيع ، فانزويت أكثر إلى الركن الدافئ و تلفعت بالمعطف و نعمت بدفء المكان ، و قلت في نفسي " إلى أين سأذهب ، فأنا في أحسن حالٍ هنا ، ليت هذه اللحظة تدوم سنين طويلة " ، و نظرت إلى الرجل الغريب أمامي ، الذي كان يحدق بي و قلت له :
- حسنا ؟ استمر .
و هز زوربا بكتفيه و قال : دعك من ذلك ، هل تعطيني سيجارة ؟
و قدمت له سيجارة ، تناولها و أخرج من جيبه قداحة و فتيلة و أشعل السيجارة ثم أغمض عينيه بسرور و ارتياح ، و سألته : متزوج ؟
و أجابني غاضباً : ألستُ رجلاً ؟ ألستُ رجلاً ؟ أعني أعمى ، شأني شأن الجميع ، لقد سقطت على رأسي في الفخ و تزوجت ، و أصبحت رب عائلة ، و بنيت بيتا ، و أصبح عندي أطفال و مشاكل ، و لكن شكرا للرب على السانتوري ..
- و هل كنت تعزف لتنسى همومك ؟
- اسمع ، إني أرى أنك لا تستطيع العزف على أية آلة موسيقية ، في البيت تكمن كل مشاكلك ، الزوجة ، الأولاد ، ما الذي ستأكله ؟ كيف ندبر أمر الملبس ؟ ما الذي سيحل بنا ؟ يا للجحيم ، كلا ، لكي تعزف السانتوري يجب أن تكون في حالة جيدة ، يجب أن تكون صافياً ، فإذا ما رددت زوجتي كلماتها فكيف يمكنني العزف ؟ و إذا كان أولادك جائعين يصرخون ، حاول عند ذلك أن تعزف على السانتوري ، فعقلك يجب أن يكون عند السانتوري ، لا عند أشياء أخرى ، هل فهمت ؟!
نعم ، فهمت ، إن زوربا هو الرجل الذي كنت أنشده منذ مدة طويلة دون أن أجده ، قلب حي ، و فمٌ ضخم شره ، و نفس كبيرة قاسية لم تعركها الأيام
إن معنى كلمات الفن و الحب و الطهارة و العاطفة ، كل هذه المعاني أظهرتها لي تلك الكلمات البسيطة التي تفوه بها هذا الرجل العامل .
و نظرت إلى يديه التين تستطيعان الإمساك بالمعول و السانتوري ، يدان متحجرتان ، مشققتان ، مشوهتان ، و باعتناءٍ بالغ ، كأنهما تخلعان ثياب امرأة ، فتحت الصرة و سحبت منها السانتوري الذي صقلته السنون ، مع حزمة من الأوتار ، مضربا بالنحاس و العاج مع شرابة حمراء من الحرير ، ثم راحت تلك الأصابع الطويلة تداعبه بعطف كأنه أيدٍ تداعب وجه امرأة ، ثم أعادت وضعه و لفته باعتناء بالغ كأنه جسدٌ محبوب خافت عليه من البرد .
- هذا هو السانتوري العزيز .
تمتم ذلك و هو يضع الصرة باعتناءٍ على الكرسي ، و كان البحارة يقرعون الكؤوس و يضحكون ، و ربت البحار العجوز على كتف الكابتن ليموني و هو يقول :
- قل الحقيقة يا كابتن ، ألست خائفا ؟ إن الله أعلم بعدد الشموع التي نذرتها للقديس نيقولا .
و قطّب الكابتن حاجبيه الضخمين :
- أقسم لكم ، إنني عندما رأيت الموت يقترب مني لم أفكر بالقديسة العذراء ، ولا بالقديس نيقولا ، بل التفت نحو سالاميس ، و فكرت بزوجتي و صحت " آه ، كاترين ! لو أنني الآن معكِ في الفراش "
و انفجر البحارة في الضحك ، و شاركهم الكابت ليموني الضحك هذه المرة .
- يا للإنسان ، إن الرجل حيوان ، فقد كان شبح الموت مخيما فوق رأسه بينما كانت أفكاره منشغلة هناك ، لا في أي مكان آخر ، تباً له من حيوان !
و صفق الكابتن و طلب دورا آخر من الشراب لرفاقه ، كان زوربا يستمع إلى الحوار بأذنين كبيرتين ، و التفت إليهم ثم قال لي :- ما هذا ؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟
و لكنه فهم فجأة ، و هتف بإعجاب : برافو ، يا صديقي ، إن هؤلاء البحارة يعرفون السر ، و أغلب الظن لأنهم معرضين ليلا نهارا للموت .
و أشار بقبضتيه في الهواء و قال :
- حسناً ، إن هذه مسألة أخرى ، و لنعد الآن إلى عملنا ، هل سأبقى أم لا ؟ قرر بسرعة .
- أنا موافق يا زوربا ، تعال معي إلى كريت ، فلدي فحما هناك ، و باستطاعتك مراقبة العمال ، و في المساء ستتمدد على الرمال ، في هذا العالم ليس عندي لا زوجة ولا أطفال ولا كلاب ، سنأكل و نشرب معا ، و ستعزف أنت على السانتوري .
- هذا إذا كنت في مزاج خاص للعزف ، هل تسمح ؟ سأعمل لك أي شيء تريده ، فأنا رجلك المطيع هناك ، و لكن السانتوري .. فهذا شيءٌ آخر ، إنه حيوان وحشي ، و هو بحاجة إلى الحرية ، فإذا كنت مستعدا للعزف فسأعزف ، و ربما أنحني أيضا ، و سأرقص " الزيباكيكو " و " الهاسابيكو " و " البنتوزالي " و لكن دعني أخبرك منذ الآن ، يجب أن أكون مستعدا لذلك ، لنفهم ذلك بوضوح ، و إذا أرغمتني على ذلك فسينتهي كل شيء الآن ، فأنا بما يتعلق بهذه الأمور .. رجل .
- رجل ؟ ماذا تعني بذلك ؟
- أعني .. حراً .
و طلبت كأسا من الروم فأضاف زوربا طالبا كأسا آخر أيضاً ، و قرعنا الكؤوس ، و كان الصباح قد أشرق ، و سمعنا صفارة المركب , و أشار الحمال الذي نقل حقائبي إلى المركب ، و قلت و أنا أنهض :- تعال ، لنذهب .. و ليكن الله معنا .
- الله و الشيطان معاً .
أضاف زوربا ، ثم انحنى و التقط صرته و وضعها تحت ذراعه و فتح الباب و سبقني بالخروج.




يتبع،،،
رد مع اقتباس
  #4  
قديم Feb, 22 2006, 18:08
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,035
التشكرات: 695
مشكور 2,154 من المرات في 696 من المشاركات
النشرات: 14
Images: 1
أليكسيس زوربا ... !!!

مرحبا

يسلمو كتير زوربتنا العزيزة على الرواية .. أنا سابقتين بفصلين .. لسه بكير ابداء الآراء بالرواية .. لكن فكرة حلوة تحطيها بالمنتدى ....... بتمنى كتييييييير يكون في حدى عم يقراها معيك ومعي ...

اسمحيلي أضيف كمان معاكي اجزاء منها

مع التحية
رد مع اقتباس
  #5  
قديم Feb, 23 2006, 00:09
Ro Ro
إيطاليا بطلة
شاب - طب بشري - سنة رابعة
 
تاريخ الانتساب: Sep, 21 2005
المكان: بالبيت
العمر: 22
المشاركات: 267
التشكرات: 2
مشكور 5 من المرات في 5 من المشاركات
و أنا معكن عم اقرأ.....بعدين ضروري أعرف هالشخصية العظيمة خاصة أنه انسأل عنها بمن سيربح المليون لطالبة طب الأسنان السورية و ربحت مليون ليرة.....يمكن ينفعني أنا كمان....مين بيعرف
رد مع اقتباس
  #6  
قديم Mar, 03 2006, 15:31
zorba
فتاة - طب أسنان - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Oct, 24 2005
العمر: 24
المشاركات: 288
التشكرات: 64
مشكور 74 من المرات في 38 من المشاركات
النشرات: 5
الفصل الثانيونتابع البحر ، و طراوة الخريف ، و الجزر السابحة في النور ، و المطر الناعم الذي أضفى حجابا شفافا على العري الأبدي لجزر اليونان ، كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته . كم هي عديدة مسرات هذا العالم ، نساء ، و فواكه ، و آراء ، و لكن أن تشق عباب هذا البحر الهادئ و في فصل الخريف لهي السعادة التي تملأ قلب الإنسان في نعيم الفردوس ، فهذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن ينتقل فيه من مكان إلى مكان بهدوء و سهولة ، من الواقع إلى الخيال .. إنها المعجزة بالذات ! و عند الظهر انقطع المطر ، و بددت الشمس حجب الغيوم ، و أطلت علينا ناعمة لتداعب بأشعتها صفحات الماء الحبيبة ، و تركت نفسي تستوعب هذه المعجزة الخالدة التي انقشعت على مدى الأفق البعيد . و على ظهر المركب ، كاليونانيين ، الشياطين الأذكياء ، ذوو العيون المشعة و العقول التي تتقن فن المساومة الطويل على البضائع التافهة ، و في بعض الأحيان تأخذ بك الرغبة في أن تمسك بهذا المركب من طرفيه و تغرقه في البحر ، ثم تهزه جيدا لتغسل عنه كل هذه الحيوانات التي أوسخته ، رجال ، فئران ، و قمل . ثم تعومه من جديد بعد أن يصبح نظيفاً فارغاً . و لكن في بعض الأحيان كانت العاطفة تمنعني ، عاطفة بوذية ، باردة كالاستنتاجات الميتافيزيقية ، عاطفة ليست نحو الرجال فقط ، بل نحو الحياة كلها بجهادها ، و صراخها ، و نواحها ، و آمالها التي لا ترى أن كل شيء ليس إلا محاولة لإظهار الأشباح من العدم ، عاطفة نحو اليونانيين ، و نحو المنجم الفحمي ، و نحو مخطوطتي الناقصة عن بوذا ، و عن ذلك الخليط من النور و الظلال الذي يزعج صفاء الجو . و كنت أختلس النظر إلى زوربا المنهك ، الشاحب الوجه ، و قد قبع في مجلسه على ظهر المركب على كومة من الحبال عند مقدمة المركب ، كان يشم ليمونة و يصغي إلى صراخ الركاب و شجارهم بأذنيه الكبيرتين ثم يهز برأسه الضخم و يبصق و يتمتم قائلا : - هؤلاء الحطام ، ألا يخجلون من أنفسهم ؟ - ماذا تعني بكلمة ( حطام ) يا زوربا ؟ - كل هؤلاء الملوك ، الديموقراطيات ، النواب ، المرائين ! إن الحوادث لم تكون لزوربا سوى أمور قديمة ، فهو بنفسه قد ابتعد عنها ، و بالتأكيد كان التلغراف ، و البواخر ، و المراكب ، الأخلاق السائدة ، و الدين ، لا بد أن تكون كالبنادق القديمة الصدئة ، فتفكيره قد تقدم بسرعة تجاوزت تقدم العالم . كانت الحبال تتشقق على الصواري ، و الشواطئ كانت تتراقص ، و النساء المسافرات أصبحت وجوههن أكثر اصفرارا من الليمونة ، لقد ألقين بأسلحتهن ، المساحيق و المشدات و دبابيس الشعر و الأمشاط ، و شحبت شفاههن و أظافرهن بدأت تتحول ألوانها إلى الأزرق ، و بدأت تتساقط الريش المستعار و الشرائط الحريرية و الجفون الاصطناعية ، فقد كان الناظر إليهن بالإجمال يشعر بالقرف و الرغبة بالتقيؤ . و شحب وجه زوربا بدوره و اصفر لونه ثم اخضر ، و خفتت عيناه المتقدتان و لم يعد إلى تألقه الأول إلا في المساء ، حين أشار إليّ ليريني درفيلين كانا يتقافزان و يسابقان المركب ، و صاح : - درافيل ! و لاحظت لأول مرة أن نصف إبهام يده اليسرى مقطوع ، فارتعدتُ و سألته : - ماذا جرى لإصبعك يا زوربا ؟ و أجابني و قد بدا عليه الاستياء لأنني لم أنظر إلى الدرافيل : - لا شيء ! - هل قطعته بآلة حادة ؟ - و ما شأن الآلة بالموضوع ؟ كلا فقد قطعته بنفسي . - بنفسك ، و لماذا ؟ - أنت لا يمكنك الفهم ، أيها الرئيس ، لقد سبق و أخبرتك أنني قمت بأعمال عديدة ، و في إحدى المرات عملت في صناعة الفخار ، و قد أحببت هذا العمل لدرجة الجنون ، هل يمكنك أن تتصور ماذا يعني أن تأخذ حفنة من الطين و تعمل منها ما تريد ؟ قرر! ثم تدوّر الدولاب و يدور الطين معه بينما تقول بنفسك " سأصنع جرة ، أصنع صحنا ، سأصنع قنديلا ، و الشيطان يعلم ماذا أيضاً " هذا ما تقوله عن كونك رجلاً : الحرية ! لقد نسي البحر ، و لم يعد يقضم الليمونة ، و عاد الصفاء إلى عيونه .. - حسنا ، و لكن إصبعك ؟ - لقد كانت تزعجني ، و تقف في طريق عملي ، و تفسد علي مشاريعي ، و في ذات مرة أمسكت بفأس صغيرة .. - ألم تشعر بالألم ؟ - كيف لم أشعر بألم ؟ هل تعتقد أني جذع شجرة ؟ إنني إنسان ، لقد تألمت و لكن كما قلت لك كانت تقف في طريقي فقطعتها ! و هدأ البحر قليلا عند غياب الشمس و انقشاع الغيوم ، فدبت نجمة المساء لامعة براقة ، و ألقيت نظرة على البحر و رحت أفكر .. كيف نحب إلى هذا الحد ؟ ثم نأخذ فأسا و نقطع ثم نتألم ، لكني أخفيت اضطرابي و أردفت قائلا محاولا الابتسام : - إنها لطريقة سيئة يا زوربا ! إنها تذكرني بالأسطورة الذهبية التي تقول عن ناسك رأى امرأة قد أزعجته جسديا ، فتناول فأساً .. و صاح زوربا مقاطعاً : - كم هو أحمق ، يقطع هذا ! و لكن هذا المسكين لا يعتبر عقبة ! - كيف ؟ بل هو عقبة كبيرة . - أمام ماذا ؟ - أمام ولوجك أبواب السماء ! و حدجني زوربا بنظرة ساخرة و هو يقول : - إنه هو الذي يمكنك اعتباره مفتاح السماء ! ثم رفع رأسه و حدق بي كأنه يريد معرفة رأيي بالحياة التالية ، و بملكوت السماء ، و النساء و النساك ، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى شيء فهز رأسه الضخم و استطرد : - إن الخصيان لا يدخلون السماء . ولاذ بالصمت ، فذهبت إلى مقصورتي و أخذت كتاباً و أخذت أقرأ .. * * * و في صباح اليوم التالي استيقظتُ مبكراً ، و كانت الجزيرة قد أصبحت عن يميننا ، تلك الجزيرة الكبيرة المزهوة المتوحشة ، و الجبال الوردية الشاحبة تبدو كأنها تبتسم من خلال ضباب شمس الخريف ، و من حول المركب كان البحر الأزرق ما يزال ثائرا مهتاجاً . و كان زوربا الملتحف بغطائه الرمادي ينظر محدقا إلى جزيرة كريت ، و عيونه تنتقل من الجبل إلى السهل و تتبع الشاطئ و تتفحصه ، كأنه قد شاهد جميع هذه الأراضي و البحار مرات سابقة و هو يتمتع برؤيتها ثانية ، و دنوت منه واضعا يدي على كتفيه قائلاً : - زوربا ، أعتد أنها ليست المرة الأولى التي تأتي فيها إلى كريت ، فأنت تحدق بها كأنك صديق قديم . و تثاءب زوربا ، كأنه ضجر ، و شعرت أنه لا يميل إلى الحديث الآن ، فابتسمتُ و قلت له : - إن الحديث يضجرك ، أليس كذلك يا زوربا ؟ - ليس هذا بالضبط ، أيها الرئيس ، لكن الكلام صعب . - صعب ؟ و لماذا ؟! و لم يجبني على الفور ، و أجال بنظره إلى الشاطئ مرة أخرى ، لقد نام ليلته على ظهر المركب و كان شعره الرمادي المجعد يقطر بالندى ، و كانت الشمس المشرقة تضيء التجاعيد في وجهه و رقبته ، و حرك شفتيه أخيرا و هو يقول : - في الصباح أجد صعوبة في فتح فمي ، صعوبة كبيرة ، اعذرني . و مرة أخرى راح في صمتٍ عميق و عاد ينظر إلى كريت . و رن جرس طعام الإفطار ، و ظهرت الوجوه من المقصورات ، نساء مترنحات و شعورهن متدلية تفوح منهن روائح القيء الممزوج برائحة الكولونيا ، و أعينهن مذعورة بلهاء . و كان زوربا يجلس أمامي و هو يشرب فنجان القهوة و يغمس قطعة الخبز التي مسحها بالزبدة و العسل ، ثم يأكلها ، و أشرق وجهه بعد ذلك و اطمأن قليلا و بدا فمه كأنه أصبح مرنا ، ثم أشعل سيجارة و راح يستنشق أنفاسا و هو على أشد ما يكون من التلذذ ، و لاحظت أنه أصبح مستعدا للحديث و من ثم راح يقول : - هل هذه هي المرة الأولى التي آتي بها إلى كريت ؟ ثم أغمض عينيه قليلا ، ثم راح ينظر إلى جبل ابرا الذي كان ممتدا وراءنا ، و استطرد قائلاً : - كلا إنها ليست المرة الأولى ففي عام 1896 أصبحت رجلا ناضجا تماما و كان شاربي و شعري لا يزالان بلونيهما الحقيقيين و كنت لا أزال في مقتبل العمر ، و كنت حين أسكر ألتهم المقبلات أولا ثم الطعام ، نعم ، فقد استمتعت إلى أقصى حدود الاستمتاع ، لكن الشيطان تدخل أيضا فقد نشبت الثورة في كريت . في تلك الأيام كنت بائعا جوالا ، و كنت أبيع الخضراوات متنقلا من قرية إلى قرية في مقدونيا و عوضا عن المال كنت أستبدل ما أبيعه بالجبنة و الصوف و الزبدة و الأرانب و الذرة ، ثم أعود و أبيع هذه الأشياء و أكسب ربحا مضاعفاً ، ففي كل قرية أحلها ليلا ، أعلم أين أنام ، ففي كل قرية كنت أجد قلب أرملة رحيمة عطوف ، و كنت أقدم لها مشطا أو مكبا من الخيطان أو وشاحاً ، أسود اللون بسبب المرحوم ! و أنام معها بعد ذلك ! و لم يكن ذلك يكلفني كثيراً .. كلا ، لم تكن تكلفني كثيرا ، أيها الرئيس ، و لكن كما قلت سابقا لقد تدخل الشيطان و هبت كريت لتحمل السلاح ، و قلت لنفسي لتذهب بمصيرها إلى الجحيم ! ألا تقدر هذه الكريت اللعينة أن تتركنا بسلام ؟ ثم وضعت جانبا أمشاطي و حملت بندقيتي و توجهت للانضمام للثوار في كريت . و صمت زوربا ، فقد بدأنا نسير إلى خليج مستدير رملي ، و كانت الأمواج تنتشر بهدوء دون أن تتكسر ، تاركة خيطا رفيعا من الزبد على طول الشاطئ ، و انقشعت الغيوم و تألقت الشمس و لاحت أطراف الجزيرة بوضوح ، و التفت زوربا نحوي و حدجني بنظرة ساخرة : - و الآن ، أعتقد أيها الرئيس أنك تتصور بأني سأخبرك كم رأسا تركيا قطعت و كم أذنا قد وضعت في الكحول ، فهذه هي العادة في كريت ، حسنا .. و لكني لن أفعل ، فأنا لا أحب أن أفعل ذلك لأني أخجل منه ، ما هذا الجنون ؟ و اليوم بعد أن أصبح عقلي راجحا صرت أسائل نفسي قائلا : ما هذا الجنون الذي تملكنا لكي نلقي بأنفسنا على رجل آخر لم يؤذنا بشيء ثم نعضه و نقطع أنفقه و نمزق أذنيه ، و في الوقت نفسه نطلب من الله العظيم أن يساعدنا ! فهل هذا يعني أننا نطلب من الله أن يذهب معنا ليقطع آذان البشر و أنوفهم ؟ و لكن في ذلك الوقت ، كان دمي لا يزال حارا في عروقي ، و ما كان باستطاعتي الوقوف و التساؤل و التفحص ، إذ يجب على المرء لكي يفكر بدقة و عدل أن يكون هادئا مسناً دون أسنان ! فعندما يكون المرء عجوزا لا أسنان له ، فباستطاعته القول بسهولة تامة " لعنكم الله أيها الأولاد ، فمن العيب أن تعضوا " و لكن حين تكون له أسناني الاثنين و الثلاثين .. يكون الإنسان متوحشا كالحيوان .. نعم ، أيها الرئيس ، كالحيوان المفترس آكل لحوم البشر . و هز رأسه ثم قال : - و هو يأكل الخراف أيضاً ، و الدجاج و الخنازير ، و لكنه إذا لم يأكل لحم البشر تبقى معدته خاوية ، كلا .. إن معدته لا تكتفي ، و الآن ما لديك من أقوال ؟! و لكنه لم ينتظر الجواب ، بل أكمل قوله و هو يحدق بي : - ماذا يمكنك أن تقول ، فكما أرى ، إن سيادتك لم تشعر بالجوع مطلقاً ، و لم تقتل أبدا ، و لم تسرق و لم تزنِ ، ماذا تعرف من هذا العالم ؟ إن عقلك بريء ، و جلدك لم ير أشعة الشمس . قال جملته الأخيرة بكثير من الاحتقار ، مما جعلني أشعر بالخجل من يدي الناعمتين و وجهي الشاحب و حياتي الخالية من لطخات الدم و الوحل ، ثم قال و هو يمسح بيده الخشنة على الطاولة : - حسنا ، حسنا ، فهناك ما أود أن أسألك إياه فلا بد أنك قرأت مئات الكتب ، فربما تعرف الجواب . - هيا ، قل لي يا زوربا ، ما هو ؟ - إن هنا ثمة معجزة تحدث ، أيها الرئيس ، معجزة مضحكة تحيرني ، إن كل هذه الأعمال ، هذه الخدع القذرة و السرقات و المذابح التي نقوم بها – نحن الثوار – كل هذه جاءت بالأمير جورج إلى كريت ، الحرية ! ثم نظر إلي بعينين ملؤهما الدهشة : - إنها أحجية عظيمة ، فإذا أردنا الحصول على الحرية في هذا العالم القذر يجب أن نقوم بهذه الجرائم ، و هذه الخدع القذرة ، أليس كذلك ؟ أقول ، إذا أخبرتك عن كل هذه الجرائم المريعة لوقف شعر رأسك ! و لكن ما هي نتيجة كل ذلك ؟ الحرية ! فبدلا أن يزيلنا الله تعالى بصاعقة من عنده يمنحنا الحرية ! إني لا أفهم حقاً .. و نظر إلي كأنه يطلب العون مني ، و قد لاحظت أن هذه المعضلة قد شغلته و آلمته و لم يتمكن من كشف سرها ، ثم سألني بقلق : - هل فهمت ؟! ماذا أفهم ! و ماذا أقول له ؟ فإما هذا الذي ندعوه إلها غير موجود ، أو أن تكون هذه التي ندعوها جرائم و اغتيالات ضرورية للكفاح من أجل حرية العالم ، و حاولت أن أجد له طريقة أسهل لأشرح له الأمر . - كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة ؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية . - و لكن البذرة ؟ صاح زوربا و هو يضرب الطاولة بقبضة يده و يقول : - لكي تنبت الزهرة يجب أن يكون هناك بذرة ، من هو الذي وضع بذرة كهذه في جوفنا ؟ و لماذا لا تنبت البذرة هذه زهور لطيفة شريفة ؟ لماذا تحتاج إلى الدم و الأوساخ ؟ فهززت رأسي قائلا : - لا أعلم - و من يعلم ؟ - لا أحد . و صاح زوربا في يأس : - إذا ماذا تنتظر مني أن أفعل بالقوارب و المحركات و ربطات العنق ؟! و تململ اثنان من المسافرين الذين كانوا يحتسون القهوة على مائدة مجاورة و رهفوا آذانهم لسماع ما نقوله ، و اشمأز صديقي منهم و قال لي بصوتٍ خفيض : - لنغير الموضوع ، فعندما أفكر في ذلك أشعر برغبة في تحطيم كل ما تقع عليه يدي من كراسي أو قناديل أو حتى ضرب رأسي بالحائط ، و لكن ما الفائدة من كل هذا ؟ فسأضطر إلى دفع ثمن ما حطمته ، ثم أضطر للذهاب إلى الطبيب ليربط لي رأسي ، فهذا أسوأ بكثير ، فسينظر إلي من أعالي السماء و ينفجر بالضحك . و حرك يده فجأة كأنه يريد أن يتخلص من ذبابة مزعجة ، ثم قال : - لا بأس ، فكل ما أردت أن أقوله لك هو : عندما جاءت المركبة الملكية و هي مزدانة بالأعلام و ابتدأ إطلاق المدافع ، و حين وضع الأمير رجله على أرض كريت .. هل سبق لك أن رأيت شعبا بأسره يصبح مجنونا لأنه رأى حريته ؟ كلا ؟ آه ، أيها الرئيس ، إذن فقد خلقت أعمى ، و ستموت أعمى ، فإذا قدر لي أن أعيش ألف سنة حتى لو أن كل ما تبقى مني عبارة عن قطعة لحم حية ، فلن أنسى ما رأيته ذلك اليوم ! و إذا كل واحد منا قدر له أن يختار جنته في السماء حسب ذوقه – و هذا ما يجب أن نكونه ، فهذا ما أدعوه جنة – سأقول للإله العظيم " يا إلهي ، لتكن جنتي جزيرة كريت المملوءة بالأعلام و الزينات ، و دع هذه اللحظة التي وطأت بها أقدام الأمير جورج أرض كريت تستمر قرونا طويلة ! فهذا يكفي " و عاد زوربا إلى الصمت مرة أخرى ، و رفع شاربه ، ثم ملأ كأسا من الماء البارد و شربها دفعة واحدة : - ماذا جرى في كريت يا زوربا ، أخبرني ! و قال لي منزعجاً : - هل سنعود إلى العبارات الطويلة ؟ أنظر ، أقول و أكرر لك أن هذا العالم غامض جدا و الإنسان ليس إلا وحش كاسر . وحشٌ عظيمٌ و إله ، حارس أسود ثائر ، جاء معي من مقدونيا ، اسمه يورغا و كان يدعونه " المجرم " خنزير شرس ، و هل تعلم .. لقد بكى ، و قلت له و عيوني تترقرق بالدمع " لماذا تبكي أيها الكلب ؟ لماذا تبكي أيها الخنزير ؟ " و لكنه لم يجب ، لم يكب ، بل ألقى بيديه حول عنقي و راح يبكي كالأطفال ، ثم تناول محفظته و وضعها على حجره بعد أن أفرغ منها القطع الذهبية التي نهبها من الأتراك ثم ملأ قبضته بالقطع و ألقى بها في الهواء ، أرأيت .. أيها الرئيس ، هذه هي الحرية ! و نهضت إلى ظهر المركب لأستنشق هواء البحر .. " هذه هي الحرية " فكرت بنفسي ، تهوى ثم تجمع قطعا من الذهب ، و فجأة تتغلب على تلك العاطفة فتتمسك بكنزك و تلقي به أدراج الرياح لتحرر نفسك من عاطفة معينة و تأخذ بعاطفة أسمى ، أليست هذه هي نوعا آخر من العبودية ؟ لتضحي بنفسك من أجل فكرة معينة ، من أجل عرق ما ، لله ؟ أم أن كلما ارتفع الرمز طال حبل العبودية ؟ عندئذ يمكننا الاستمتاع و اللهو في أرجاء أوسع و نموت دون أن نصل إلى نهاية الحبل ، هل هذا ما ندعوه الحرية ؟!
يتبع
رد مع اقتباس
الرد

Bookmarks
  • Digg
  • del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Google
  • Facebook
  • My Yahoo!
  • MySpace
  • Ma.gnolia
  • Furl
  • Reddit
  • NewsVine
  • Netscape
  • Slashdot
  • SphereIt
  • Feedmelinks
  • Technorati
أدوات الموضوع

 

المواضيع المشابهة
الموضوع مبتدئ الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
من هو زوربا ؟؟؟ zorba قصص وروايات 2 Dec, 02 2005 00:09



تم توليد الصفحة خلال 0.78810 ثانية باستخدام 11 من الاستعلامات

Valid XHTML 1.0 Transitional Valid CSS! Get Firefox!! Add to Google

كل الأوقات حسب GMT +2، والوقت الآن 00:14.


Powered by vBulletin - Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.2.0 ©2008, Crawlability, Inc.
CMPS & Link Directory are powered by vBadvanced
Photo Gallery is Powered by PhotoPost vBGallery
Copyright ©2004 - 2008, Syrian Medical Society