(المرمطون) ... حصريا على بشري حلب !!!!!!؟....

يدور هذا النقاش حول (المرمطون) ... حصريا على بشري حلب !!!!!!؟.... في قسم قصص وروايات في الملتقى الطبي السوري; --> مرحبا ... هل كانت آخر مشاركاتي منذ ما يزيد على الشهرين ؟!؟...همممم .... غريب هذا ففي كل مرة أكتشف فيها أن الزمن شيء نسبي , و لكن الأغرب هو
عودة   الملتقى الطبي السوري > العموميات > الثقافة > قصص وروايات


هل توافق على بيع كليتك؟؟ شاركنا برأيك 


الرد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم Feb, 28 2006, 17:06
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
(المرمطون) ... حصريا على بشري حلب !!!!!!؟....

مرحبا ...

هل كانت آخر مشاركاتي منذ ما يزيد على الشهرين ؟!؟...همممم .... غريب هذا ففي كل مرة أكتشف فيها أن الزمن شيء نسبي , و لكن الأغرب هو أنني أندهش لذلك كأنني أكتشف هذا للمرة الأولى..!!!!!!!.....

لم أشارك في المنتدى منذ فترة لا بأس بها , لذلك فأنا أبارك – بالجملة – لكل من احتفل – في غيابي- بعيد ميلاده , و خصوصا زاهر و شنكول -الذي يبدو أنني لم أتأخر كثيرا في هذا- , كما لا أنسى أبدا أن أهنئ المنتدى بانضمام شخصية فذة كشخصية (سندباد ) الكلية المعروف بـ(سامر) , فهو من الدماء الطازجة جدا لو أردت رأيي ....

باختصار فإني أبارك لكل من تذكر عيد مولده فاحتفل به , و لمن قرر أن يتفضل على المنتدى بشخصه الكريم فانضم إليه , و لمن تزوج فأصبح يستخدم الضمير (نحن) أكثر من (أنا) - و إن كنت متأكد أنني لم أكن في (كوما) لهذه الدرجة !!!!-..., ... و لمن .. ولمن ... و لمن .... إلخ (!!!!!).... لكل أولئك (سواء كنت أعرفهم أم لا )- الذي قاموا بأفعال و اتخذوا قرارات - في غيابي أقول : ( إن ما قمتم به هو (زينة العقل ) , و إنني أؤيدكم تماما فيما ذهبتم إليه (!!!!!) ....).....

على العموم , دعونا من هذا الهراء الذي لا طائل من ورائه و لننتقل إلى صلب الهراء ....!!!!.... أقصد الموضوع ....

دعوني أحدثكم عن كاتب اكتسب حاليا شهرة لا بأس بها , و هو طبيب الأسنان المصري (علاء الأسواني) صاحب رواية (عمارة يعقوبيان ) التي رافقتها ضجة لا بأس بها , و التي تم إنتاجها أخيرا كفيلم من بطولة عدد كبير من نجوم مصر ....

القصة بعنوان (المرمطون ) و هي تصلح عينة لأدب هذا الدكتور !!! ... (مرة أخرى تؤكد كليات الطب على أنها لا تدرس الطب في أرجائها !!!!!)

سأقوم بوضعها هنا على أجزاء (رغم قصرها النسبي ) خوفا من الإملال ... و لكن أرجو أن يلاحظ كل من قد يتضايق أنه هنا في منتدى (الروايات و القصص) , فليس مجبرا لقراءة ما لا يروق له لمجرد أنه موجود في المنتدى ....

( لسبب ما أتذكر هنا صديق يجيد برمجة نفسه على إعطاء ردود متباعدة مدروسة على شكل همهمات , توحي لمحدثه أنه يتابعه بشغف ... حتى أنني أتخيل أحيانا أنه نائم !!!!!!)

القصة جميلة – عن (المرمطون) أتكلم – و لها مذاق مر يصعب ابتلاعه .... كما أنها مشوقة و ذات جو طبي لا شك فيه , و لك أن تراهن على هذا !!!!!......

مع محبتي ....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم Feb, 28 2006, 17:07
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
الجزء الأول ...

المرمطون


لسبب مجهول ارتبط الذكاء في الأذهان بلمعان العينين , و صار كل من يريد أن يثبت أنه لماح يحدق في وجوه الناس , و يركز نظره في عيونهم , ليشهدوا بأنفسهم كيف تبرق عيناه و تلمع من فرط الذكاء .. على أن هشاما لم تلمع عيناه قط , و كانتا أيضا ضيقتين , كما أن بشرته السمراء و ملامحه العادية و جسده الضئيل و ميله الفطري إلى الخجل و الانطواء , كل ذلك جعله يبدو مجرد واحد من تلك الآلاف المتشابهة التي تغص بها الشوارع و المواصلات , لكنك ما إن تبدأ هشاما بالحديث حتى تدهش , لأنه سيدرك – من فوره – ما تقول و يعقب عليه و أنت بعد لم تفرغ , ثم يصمت بعد ذلك و يبتسم في هدوء و كأنه يعتذر لأنه سبقك , و يقولون – و العهدة على الراوي – إن هشاما تكلم مبكرا جدا و هو طفل , و إنه قبل أن يتم عامه الثالث , كان بمقدوره أن يلف شريط المسجل " الجروندج" الكبير , ثم يثبت البكرة على الجهاز , و يدخل الشريط في الإطار , و أخيرا , يضغط الزر بإصبعه فتنبعث الموسيقى . و لأن مدرسة ثانوية واحدة جمعتني و هشاما فقد رأيت بنفسي تفوقه الكاسح .. لم يكن هشام من أولئك الذين يصمدون للاستذكار عشرات الساعات , كان يفهم الدرس مرة و يقرأه مرة , و قد يحل بعض التمارين ليحصل بعد ذلك على الدرجة النهائية بغير عناء .. و في حصة الرياضيات .. كان كثيرا ما يقف ليشرح لنا بصوته الهادئ , كيف توصل إلى حل مسألة حيرتنا جميعا , و عندما يفرغ و يشكره المدرس كنا نرمقه بإعجاب أو حسد , و لم يكن هو يتحمل أن يظل محط الأنظار .. فكان يتشاغل بالبحث عن قلمه , أو يمد رأسه إلى الخلف و يفتح حديثا مع الطالب الجالس وراءه .. و في الثانوية العامة جاء ترتيب هشام الأول على المدرسة , و أحب هو أن يلتحق بكلية الهندسة , لكن أمه بكت و توسلت و استحلفته برحمة أبيه , و ذكرته بأنه وحيدها الذي انعقد عليه الأمل ليكون طبيبا , و أذعن هشام و درس الطب خمس سنوات و احتفظ بتقدير ممتاز .. و يقولون إن معلوماته في الامتحانات شفوية كانت تنتزع الإعجاب من أشد الممتحنين تجهما و شراسة – و يقولون أيضا – إن الدكتور مندور أستاذ التشريح الشهير .. بعد أن امتحن هشاما , قام إليه و صافحه و طلب له مشروبا مثلجا ( و هذه تحية تقدير قلما يجود بها الأستاذ الكبير على أحد ) و لأن هشاما كان فذا إلى هذا الحد , و لأنه أيضا , ليس ابنا لأستاذ جامعي أو قريبا لوزير , فقد جاء ترتيبه في التخرج .. العشرين على الدفعة .

عين هشام نائبا في قسم الجراحة العامة , و كانت فرحته بذلك صادقة .. و لما بلغ النبأ أمه و كانت تقشر البطاطس أمام التليفزيون .. فرحت و زغردت ثم بكت و دعت و صلت ركعتين شكرا لله , و لم تلبث أن نشرت الخبر بالتليفون على الأقارب و المعارف , ثم ارتدت ملابسها و نزلت تشتري الشربات و الجاتوه , و لما وصل أول المهنئين و كانوا من الجيران , قصت عليهم الأم ( و قد بدت حينئذ أكثر رزانة و وقارا باعتبارها أما لطبيب جراح ) قصت عليهم كيف أن هشاما لم يسع إلى الوظيفة , بل هم الذين حرصوا على تعيينه لنبوغه .. و في اليوم التالي لما جاء مهنئون جدد , كانت الأم تحكي لهم حوارا كاملا دار بين رئيس قسم الجراحة و ابنها , يلح فيه الرئيس على هشام أن يقبل العمل معه , و يطلب هشام فرصة للتفكير لأنه متردد .

************

نقر هشام على الباب و فتحه فتحة صغيرة – تأدبا – و دلف بالكاد إلى الداخل .. كان الدكتور بسيوني رئيس القسم جالسا يتحدث مع ثلاثة من الأساتذة , و لما ظهر هشام أمسكوا و نظروا إليه متطلعين , و أحس هو بضربات قلبه تتابع , فاستجمع شتات أنفاسه المبهورة و تبسم في ود متأدب و قال :
- صباح الخير .

لم يردوا عليه و استمروا ينظرون .. و كان لا بد أن يفسر وجوده فقال :
- أنا هشام فخري .. النائب للجديد يا فندم .
- انتظر في الخارج .

قالها رئيس القسم بغير اهتمام , و استأنف حديثه مع الأساتذة .. و خرج هشام و أخذ يقطع الردهة ذهابا و إيابا و دخن ثلاث سيجارات .. و لما خرج الأساتذة من مكتب الرئيس , أعاد هشام كل ما فعله في المرة الأولى , بدءا من نقر الباب إلى تقديم نفسه , لأن الدكتور بسيوني – في تلك الدقائق القليلة – كان قد نسي كل شيء عنه ..

- اسمع يا ابني ..؟. أتعرف ما وظيفتك في القسم ؟.

و حار هشام في الرد .

- إنت شغلتك هنا مرمطون .. قالها الرئيس و استغرق في ضحكات سريعة متتابعة , و راح يلعب بأصابعه في سوالفه الطويلة .. و كاد هشام أن يضحك هو أيضا مجاملة , لكن هاتفا منعه لحسن الحظ .

- هل تعرف مرمطون المطبخ ؟. الولد الذي يلم قشر البصل , و يمسح البلاط , و يضربه الطباخون على قفاه .. أهو نائب الجراحة هو مرمطون المطبخ تماما .

و هز هشام رأسه .. و استطرد الرئيس :
- سوف تفعل ما نريدك أن تفعله .. إياك أن تعترض أو تشكو .. كل شيء بثمنه .. تريد أن تصبح جراحا ؟ . ستدفع الثمن كما دفعناه جميعا .. تعب و عرق و ظلم و إهانات .. و بعد ثلاث سنوات من الآن – إذا أعجبتني – سوف أوقع بيدي قرار بتعيينك مدرسا مساعدا في الجامعة , أما إذا لم تعجبني فسوف أستغني عنك , و لترجع إلى وزارة الصحة حمارا كأي حمار هناك ..

و كأنما خطر هنا للرئيس .. أن هشاما أخذ من وقته أكثر مما يجب , فتجهم و زعق في غضب مفاجئ .
- يالله .. تفضل .. استلم شئون العاملين .

*************
رد مع اقتباس
  #3  
قديم Feb, 28 2006, 20:06
Ghareeb
المتـفـــائل
شاب - طب أسنان - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: Nov, 01 2005
المكان: حلب
العمر: 24
المشاركات: 1,391
التشكرات: 1,307
مشكور 1,072 من المرات في 299 من المشاركات
النشرات: 1
السلام عليكم.
أخي الغالي فراس...
أهلا ً بعودتك بعد الغياب الطويل إلى المنتدى.. ورغم أنها شهران فقد اشتقنا لك كثيراً.
وجميل مباركتك لكل مَن ومَن و و و ... وأرجو أن أجد لي بينهم مكاناً.
أما كاتبنا وطبيب الأسنان علاء الأسواني؛ فلم أقرأ له سوى قصة عمارة يعقوبيان الجميلة بفنها وتعبيرها، لكن نهايتها لم تعجبني كثيراً، لأنها أهملت جانب الخير والإصلاح المعتدل في المجمتع.
وشكراً لك على إضافة هذه القصة.. ولم أقرأها بعد، وسأقرأها إن شاء الله قريباً.
وابق معنا على تواصل... أرجووووووووووك..
رد مع اقتباس
  #4  
قديم Feb, 28 2006, 20:19
TURBO
عابرون في كلام عابر
شاب - طب بشري - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
المكان: حلب
العمر: 22
المشاركات: 2,038
التشكرات: 3,764
مشكور 2,148 من المرات في 668 من المشاركات
Images: 10
اهلا وسهلا اخي فراس
وين هالغيبة اشتقنالك ولمواضيعك الشيقة

القصة يبدو انها جميلة اتمنى ان تكمل

تحياتي لك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم Mar, 01 2006, 13:44
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
الجزء الثاني !!!!؟....

الدكتور بسيوني غني عن التعريف .. هو رئيس قسم الجراحة العامة , و أيضا رئيس الجمعية العربية للجراحين , و عضو في عشرات الجمعيات الطبية العالمية , و هو – إلى جانب ذلك – شخصية عامة , تنشر الصحف آراءه في الاقتصاد , و يستضيفه التليفزيون في رمضان ليحدثنا عن أكلاته المحببة .. و الدكتور بسيوني قبل كل شيء – لا يمكن أن ننسى – أنه جراح فذ , دخل تاريخ الجراحة من أوسع أبوابه , و لأن الدكتور كل ذلك , فإنه طبعا يختلف عني و عنك – نحن العاديين الباهتين المجردين من أية قيمة أو موهبة – فالواقع أن الدكتور بسيوني شخص عجيب بقدر ما هو فذ ماهر , و أشياؤه الغريبة تثير حوله الفضول و التعليق و أيضا , الرهبة و الإعجاب .

ففي حر أغسطس , مثلا , يرتدي الدكتور بسيوني قميصا بنصف كم كأي مواطن آخر لكنه – لا بد – يعقد حول رقبته كرافتة طويلة جدا تصل إلى ما تحت الحزام , و لا يعرف أحد لماذا يصر الدكتور على الكرافتة , و هو لا يرتدي جاكيت ؟ . و لا يعرف أحد , أيضا , فائدة أن تكون كرافتة بهذا الطول ؟ .

و هو إلى ذلك ينتقي لملابسه ألوانا زاعقة فاقعة , كأنما يتعمد ألا تتناسق ( و يقولون إنه اكتسب هذا الذوق من إقامته في أمريكا ..) و إذا كان مفهوما أن يطيل أحدنا سوالفه قليلا , فقد أسرف الدكتور في ذلك , و كسا وجهه بسوالف شيباء طويلة تمتد إلى ما تحت الأذنين , حتى بات يشبه لوردا إنجليزيا من القرن التاسع عشر , أو بقالا يونانيا في الإسكندرية .. على أن منظره العام بسوالفه و ألوانه الزاعقة , و صلعته الخفيفة , و جسمه القصير الممتلئ , و حركاته السريعة العصبية , لا يخلو من جمال , و لا ينم بحال عن سنواته الستين .

و الدكتور بسيوني أعزب لم يتزوج , و يرجع ذلك – في أحد التفسيرات – إلى إخلاصه لحب قديم انتهى نهاية أليمة ..

أما من ناحية الإدارة فمعروف أن فسم الدكتور من أكثر الأقسام انضباطا في القصر العيني , و هذه حقيقة برغم أن الدكتور – في غير أيام العمليات – لا يقضي في القسم أكثر من ساعة يوميا , و ينصرف بعدها مسرعا إلى عيادته في وسط البلد .. لكن غياب الدكتور عن القسم لا يعني إطلاقا إنه غافل عما يحدث فيه , و هو عادة ما يستدعي إلى مكتبه أي شخص ( من أكبر أستاذ إلى أصغر نائب ) ليوبخه أو يهنئه على شيء فعله في غيابه , و لا يعلم أحد حتى هذه اللحظة كيف يعرف الدكتور ما حدث و هو غائب , طبعا التخمينات كثيرة .. لكن الصعب حقا أن تقطع بأن شخصا بعينه هو مصدر المعلومات , و النتيجة مدهشة .. فقد بات أطباء القسم يعملون و يتكلمون و يضحكون و كأن الدكتور معهم .. و قد يختلف اثنان منهم مثلا – بل ينفعلان و يحتدان – حول تاريخ حصول الدكتور على الدكتوراة أو من أية جامعة أمريكية نالها ( برغم أن الأمر لا يعني الاثنين ) لكنهما يؤمنان بأن ما يقولانه – ككل ما يحدث في القسم – سينقل للدكتور بتفاصيله .. و إذا كان هكذا غياب الدكتور , فكيف يكون حضوره.

حسنا .. إذا حضر الدكتور , فإن كل شخص يحرص على إتقان عمله حرصه على الحياة .. لأن الدكتور لا يعرف الهذر , و هو يعاقب المخطئ مهما كان , و يكون عقابه فوريا , و أيضا – ككل ما يفعله – غاية في الغرابة .. فهو إذا وجد سيارة مركونة في المكان المخصص لسيارته , أمر من فوره بتفريغ عجلاتها الأربع من الهواء , و انصرف , ( ولنا أن نتخيل بعد ذلك عناء صاحب سيارة بأربع إطارات فارغة ) و هو إذا لمح تمرجيا يصنع الشاي بجوار أسرة المرضى .. انقض من فوره على براد الشاي الساخن , و طوح به من الشباك ( و لا يهم على رأس من يقع البراد .. فهذه مشكلة المارة في الشارع ) .. و إذا دخل الدكتور غرفة التعقيم , و وجد الفرشاة التي يدعك بها يده غير نظيفة .. قذف بها من فوره في وجهة الحكيمة , و هو يقذف بها فعلا بمعنى أنها قد تصيب الحكيمة فتفتح دماغها .. ( حدث هذا مرة واحدة مع حكيمة جديدة , أما الباقيات فيعرفن بالخبرة كيف يتفادين الأشياء المقذوفة ) .. و في غرفة العمليات , خلال تلك الدقائق الرهيبة التي يتحدد فيها مصير شخص مخدر مفتوح الأحشاء , يهمس مساعدو الدكتور في وجل , و يتصبب عرقهم برغم برودة التكييف .. و يظل الدكتور – وحده – رابط الجأش , و يعلو صوته الحاد لاعنا أهل من يعملون معه , و هو يشتمهم في جمل مختلفة لها تركيب واحد كأن يقول : " اشفط الدم يا حيوان " , أو "دي خياطة يا جحش ؟" . و المدهش أن المشتوم – جراحا كان أو حكيمة – لا يأبه للشتم , بقدر ما يركز تفكيره في إصلاح الخطأ .. و الحق أن الدكتور لا يشتم مساعديه فقط إذا غضب , لكنه يلعنهم أيضا إذا رضي و أثنى .. فبعد انتهاء العملية يقول لأحدهم مثلا :
" إنت حمار جراحة صحيح .. لكن عملت شغل حلو الليلة " .

و هكذا تغير مدلول الشتائم في لغة الدكتور .. و صار يستخدم أسماء الحيوانات , كما نستعمل – نحن العاديين – " أنت " و " أنتم " و سائر ضمائر التخاطب في لغتنا .

*****************
رد مع اقتباس
  #6  
قديم Mar, 01 2006, 15:34
Shankool
أريد أن أتنفس الحرية
شاب - طب بشري - بعد التخرج
Default Medal 
 
تاريخ الانتساب: Oct, 02 2004
المكان: سرّي للغاية
العمر: 25
المشاركات: 4,764
التشكرات: 2,128
مشكور 3,188 من المرات في 951 من المشاركات
النشرات: 2
الأوسمة: 1
Images: 82
دكتور فراس مشكور جداً على القصة ...

قرأت الجزأين وأتمنى أن تتابع نشر باقي الأجزاء ...

لنرى ماذا سيحدث مع المرمطون المتفوق ... أقصد ... الطبيب المتفوق ...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم Mar, 02 2006, 12:43
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
الجزء الثالث !!!!.....

تعب هشام كما لم يتعب في حياته .. كان يعمل كل يوم من السابعة صباحا حتى منتصف الليل , و أيام العمليات (الأحد و الأربعاء) كان يبيت ليلته في القسم , و عندما يرجع لبيته منهكا , كان عليه أن يجد ساعة أو ساعتين يستذكر فيها دروس الماجستير .. و النتيجة إنه لم يكن ينام أكثر من أربع ساعات يوميا .. فهزل و شحب وجهه و استقرت هالات سوداء بشكل دائم حول عينيه .. و لحظت أمه عصبيته , و نعت عليه مرارا إسرافه في التدخين , و كانت – استجابة إلحاحه – توقظه كل يوم في الفجر , و هي تكاد تبكي إشفاقا على جسده الضعيف من هذا الإرهاق .. لكن تعب هشام لم يكن يؤلمه .. الذي كان يؤرقه أن يذهب تعبه هباء , كان الهدف في ذهنه واضحا محددا .. "أن يصبح جراحا كبيرا " , و لأنه كان يدرك أن مستقبله كله يتحدد في تلك الأيام , فقد كان على استعداد – لو أسعفه الوقت – أن يضاعف المجهود , و صدق أو لا تصدق , فقد عمل هشام مع الدكتور بسيوني عاما كاملا بغير كوارث . فقد كان يدخل إليه كل أسبوع مرتين ليعرض عليه قائمة العمليات .. و في كل مرة , كان هشام يقترب من الدكتور بسيوني .. تماما كما يقترب أحدنا من سلك الكهرباء , أو مفتاح الغاز ليصلحه , أي أنه كان يمد يده بالأوراق و يتراجع تحسبا لانفجار وشيك , لكن الدكتور بسيوني – لدهشة هشام – لم ينفجر قط .. لم يخل الأمر طبعا من بعض أسماء التخاطب (تعود الدكتور أن يسمي هشاما بالحلوف ) .. لكن هذه هينة .

و بينما لم يسبب الدكتور بسيوني مشكلة لهشام , فقد سبب له الآخرون مجموعة متنوعة من المشكلات , و لا بد هنا أن نذكر أن قسم الدكتور يضم أربعة أساتذة سواه , و أن أحدا منهم ليس في شهرته و لا سلطته ..

فالدكتور منصور , مثلا , تخرج بعد الدكتور بسيوني بعام واحد , و هو يحمل مثله دكتوراة من أمريكا , و هو , أيضا , جراح ماهر , لكنه لسبب غير مفهوم , كما يحدث كثيرا في الحياة , ليس لامعا مثله .. و بينما يكون حضور الدكتور بسيوني – بمنظره العجيب – مؤثرا في الناس , فإن الدكتور منصورا برغم حرصه على البذلة الكاملة صيفا و شتاء , كان – على أحسن تقدير – يشبه مديرا في الحكومة , أي أنه بشعره الأشيب و نظارته و أدبه و صوته الخفيض , كان بكل تأكيد شخصا محترما , لكنه ليس أبدا أكثر من ذلك , و لم تكن عيادة الدكتور منصور تدر عليه كثيرا .. إذ يفضل المرضى عادة التعاقد مع جراح مشهور , لأنه طبعا أكثر مهارة , و إلا فكيف جاءت شهرته ؟. و لأن الدكتور منصورا كان لديه من الوقت متسع , فقد تعود أن يقضي معظم النهار في القسم متجولا بين أنحائه , يراقب ما يحدث عن بعد , و يتدخل دائما في الوقت المناسب .. فهو ينتظر , مثلا , حتى يكتب أحد الأطباء دواء ما لمريض , أو يسمع أهله يشكرون الطبيب , حتى يقترب مسرعا , و يسأل الطبيب بصوت هادئ عما كتبه , ثم يبتسم الدكتور منصور في سخرية خفية (لكنها تظهر على أية حال ) .. و يعلن للطبيب أن كل ما كتبه خطأ في خطأ (لم يحدث قط أن وجد الدكتور منصور أي طبيب مصيبا في أية مرة ) . و لا يفوت الدكتور منصور أن يشرح بصوت واضح مسموع المضاعفات التي كانت ستحدث لو أن المريض أخذ هذا الدواء الذي يدمر الكبد تماما . و عندما يلمح بطرف عينه الجزع و الحيرة على وجه المريض , كان الدكتور منصور يداعبه قائلا : احمد ربنا .. كاد الدكتور أن يقتلك .. و لا بد هنا أن يتوسل المريض و أهله إلى الدكتور منصور ليصف لهم دواء آخر , فيتناول الدكتور منصور "الروشتة" و يشطب الدواء الأول بحسم , ثم يكتب دواء آخر ( لا يختلف عادة عن الأول ) .. ثم يتنهد و يهز رأسه و كأنه يقول : " ماذا أفعل لهؤلاء الأطباء الجهلاء يا ربي ؟". و ينصرف بعد ذلك تماما كما جاء .. في هدوء و أدب .

و كان الدكتور منصور يعلق على أفعاله هذه قائلا : " إنني دائما أنقل خبرتي الطبية لأولادي " و بهذه الروح الأبوية ذاتها , تعود الدكتور منصور أن يزهق آمال الطلاب الذين يشرف على رسائلهم العلمية , فهو بعد أن يجهد الطالب عامين كاملين في البحث , و عندما يقترب البحث من نهايته , و يداعب الطالب الأمل في نيل الدرجة العلمية (ماجستير أو دكتوراة ) كان الدكتور منصور يكتشف دائما في البحث خطأ ما جوهريا , و كان يخبر الطالب في روية و تمهل (كتمهلك و أنت ترشف الشاي بالنعناع ) .. ثم يرقب في هدوء وجه الطالب الذي يعتريه الإحباط و القنوط , و يرفض – بأدب و حسم – محاولات الطالب المحمومة للدفاع عن البحث و عندما يستولي اليأس على الطالب , و بلوذ في النهاية بالصمت , كان الدكتور منصور عندئذ يتنهد – في ارتياح صادق – و يقول :
- لا تكابر يا بني .. أمامنا عام على الأقل من العمل .

و يتجدد هذا العام مرة أو مرتين .. و كثيرا ما كان الدكتور منصور , بعد كل ذلك ينصح الطالب بأن يبدأ من جديد مع مشرف آخر , لأنه ببساطة غير راض عن البحث , و لا يقبل أن يضع عليه اسمه .. و الخلاصة أن الدكتور منصورا في عشرين عاما لم يحصل تحت إشرافه على درجة علمية سوى طلاب أربعة , صمدوا إلى النهاية و كان الطبيب الشاب الذي يقع الدكتور منصور من نصيبه في الإشراف يتلقى من زملائه عزاء حارا و كأنه فقد عزيزا ..

وقد دعا الدكتور منصور هشاما – بعد أيام من تعيينه – لحضور عملية يجريها .. و امتن هشام كثيرا لهذه اللفتة , و تعقم و دخل مع الدكتور , و كانت العملية استئصال مرارة فلاح بائس من المنوفية , و بعد أن تم الاستئصال , طلب الدكتور منصور من هشام تخييط الجرح , و ركز هشام ذهنه , و أحكم يديه و خيط الجرح كأفضل ما يعرف . صحيح كانت يده بطيئة , لكنه لم يخطئ , كان واثقا من ذك . و بعد العملية طلب الدكتور منصور هشاما في مكتبه و دعاه إلى الجلوس و قال و هو يشعل سيجارة , و ينظر إليه بهدوء الصياد المحنك :
- اسمع يا هشام .. هل تغضب لو قلت لك إنك لا تصلح جراحا ؟ .

و ارتاع هشام و سأله عما يقصد , فقال الدكتور إن الجراحة إحساس قبل أن تكون تعليما , و إنه بخبرته الطويلة , بمقدوره أن يحكم إذا كان الإحساس الجراحي موجودا في شخص ما , و قد تعمد أن راقبه اليوم في العملية , و يستطيع – بكل أسف – أن يؤكد أنه لن يكون جراحا يوما , و هو لذلك ينصحه بالذهاب إلى قسم آخر – الباطنة مثلا أو الجلدية – حيث يكون التدريب هو كل شيء .

و اندفع هشام – كما هو متوقع – في محاولات عنيفة ثم يائسة لإقناع الدكتور منصور بأنه في أول الطريق و أنه سيتعلم و يتحسن , لكن الدكتور كان يستمع مطرقا إلى كلام هشام للنهاية , ثم يرفضه بجملة واحدة قصيرة , ثم يدفعه بجملة أخرى إلى المزيد من محاولة إقناعه و هكذا .. حتى شبع الدكتور تماما من جزع هشام و يأسه , فقام منهيا المقابلة و قال بصوت خفيض مهذب :
- أود أن أسمع عن استقالتك قريبا .. أنا آسف .. لكني أعمل لمصحتك ..

**************
رد مع اقتباس
  #8  
قديم Mar, 02 2006, 12:44
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
تتمة الجزء الثالث !!!!!!......

"إن بضع دقائق لا تكفي للحكم علي , كما إنه ليس من سلطة أحد إجباري على الاستقالة .." هكذا قال هشام لنفسه , و اقتنع و اطمأن و قرر أن يخلع من ذهنه كلام الدكتور منصور و كأنه لم يكن , لكنه برغم ذلك – ظل لأسابيع – طويلة يرتبك كلما عهد إليه بشيء أثناء العمليات .. كانت كلمات الدكتور منصور تقفز إلى ذهنه و تلح , فتهتز يداه و يبذل مجهودا خارقا كي لا يخفق .. و على أية حال .. فقد أقلع هشام بعد ذلك عن مساعدة الدكتور منصور في عملياته .. بل بات يتجنب حتى رؤيته , فكان إذا لمحه قادما في الردهة يدخل غرفة جانبية , و يتشاغل حتى يمر . و خيل إليه مرة أن الدكتور منصورا رآه و أنه يبتسم , و انصرف هشام بعد ذلك لمساعدة بقية الأساتذة , و قد أدهشته أنهم جميعا – كل بطريقته – يسيئون معاملته .. و اعتقد في البداية أنهم يكرهونه لسبب ما , لكنه لم يلبث أن اكتشف أنه ليس مقصودا لذاته , لكن العلاقة بين الجميع سيئة , فرئيسة الحكيمات توبخهن دائما , و الأساتذة يتهمون الجميع – أطباء و حكيمات – بالجهل و التقصير .. و الخاصة أن كل شخص أخذ على عاتقه أن يفضح جهل الذي هو أصغر منه , وكانت المشاحنات تسير وفقا لترتيب مسلسل لا يتغير , ففي الصباح يغلظ أستاذ ما لمدرس و يوبخه على الملأ , و بعد أقل من ساعة يكتشف المدرس نفسه خطأ قاتلا ارتكبه مدرس مساعد , الذي لا يلبث بدوره أن ينكل بنائب أو حكيمة .. و لأن هشاما كان أصغر الجميع , فقد كان سيل الإهانات يصب دائما على رأسه .. و خوفا من تورطه في مشادة قد يسمع بها الدكتور بسيوني , كان هشام يتلقى الإهانة بالصمت .. و إذا أسرف من يهينه , كان عندئذ يوجه إليه نظرة لائمة حزينة و يبتسم , و كان يظن هذه الطريقة ستحرج كل من يتطاول عليه , لكن النتيجة كانت أن تضاعفت الإهانات , بل صار كل شخص في القسم يصرخ في هشام لائما لأدنى سبب حتى الحكيمات – و هن مرؤوسات له – ضبطهن هشام أكثر من مرة يتغامزن عليه و يضحكن .. و كان ذلك يؤلمه , و في كل ليلة قبل أن ينام كان هشام يضع الوسادة على رأسه , و يتذكر بمرارة أحداث النهار و كان يصبر نفسه قائلا :"كل هذا سيتغير .. سأزداد مهارة .. سيكون ترتيبي الأول في الماجستير , و حينئذ سيفكرون كثيرا قبل أن يفعلوا ذلك .. بل إن أحدا لن يجرؤ حتى على مخاطبتي باسمي المجرد ".

و الحق أن هذا الجو المشوش المشحون بالضغائن لم يمنع هشاما من التعليم .. كان يقرأ جيدا عن كل حالة , و أثناء العمليات كان يركز ذهنه , و يحدق فيما يراه ليحتفظ به في الذاكرة , و كان لا بد أن يتحسن . شيئا فشيئا قلت أخطاؤه في التشخيص , و كان واثقا – لو سمح له – أنه يستطيع أن يجري عمليات كثيرة بنجاح , و لما اقترب امتحان الماجستير أدرك هشام أن فرصته قد حانت , فانكفأ على الكتب يقرأ و يفهم و يحفظ , و كثيرا ما فاجأه الصباح و هو يستذكر , فكان عندئذ يأخذ حماما باردا ليفيق , ثم يذهب إلى القسم بغير أن ينام , و اجتاز هشام الامتحان التحريري بغير أخطاء تقريبا , و وفق تماما في العملي , و كعادته في الشفوي , انتزع إعجاب الممتحنين , و لما فرغ هشام من الامتحان كان واثقا من النتيجة .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم Mar, 03 2006, 12:08
drfiras007
رئيس منظمة هراء بلا حدود
شاب - طب بشري - سنة سادسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
العمر: 26
المشاركات: 139
التشكرات: 0
مشكور 2 من المرات في 2 من المشاركات
الحلقة الرابعة و الأخيرة !!!!!.....

تسبب خطأ غير مقصود في رفع اسمه من كشف الناجحين، هكذا ظن هشام ، فلم يقلق كثيرا ، وذهب إلى مكتب شئون الطلاب ، وشرح الأمر لرئيس المكتب ، وكان الرجل مهذبا للغاية فأطلع هشاما بنفسه علي درجاته في الامتحان ، ولم يتكلم هشام أو يناقش ، لكنه توجه من فوره إلى مكتب الدكتور بسيوني .. ونقر الباب بسرعة وقوة وفتحه ودخل ، كان الدكتور بسيوني يقرأ .. وبادره هشام قائلا بصوت لاهث محشرج (اندهش هشام نفسه لسماعه):
- لقد رسبت في الامتحان .
- مبروك ... قالها الدكتور بسيوني بغير أن يحول نظره عن القراءة ..
- أريد أن أعرف لماذا رسبت ؟ سأل هشام بعناد
- رسبت لأنك لاتستحق النجاح . قال الدكتور لهشام وأخذ يلعب بأصابعه في سوالفه الطويلة .. وكانت نبرته تنذر بانفجار قادم .
- إنني لم أخطيء في التحريري ولا في العملي .. أما الشفوي .. . وهنا اندفع الدكتور:
- اسمع يا حلوف اٍنت .. أتراني قد فرغت من أشغالي لأكرر ما أقوله لك كل يوم .. قلت لك ألف مرة : هناك فرق بين امتحان الجراحة والشهادة الابتدائية. نحن لا نسمح لكل من هب ودب بأن يكون جراحا ، مهما كانت معلوماته ، يهمنا شخصك وأخلاقك أولا ... قلت من البداية اٍنك لن تنجح وتستمر معنا ، إلا إذا أعجبتني .. فاهم ؟ .. ولاذ هشام بالصمت ..
- تفضل شوف شغلك يا حلوف .

وخرج هشام .. واستأنف عمله كالمعتاد ، ولما خلا لنفسه في تلك الليلة لم يكن بالضبط حزينا ، استولى عليه شعور بالهلع . الهلع هو التعبير الصحيح . كان يشعر لأول مرة بأن ذكاءه – تلك القاعدة المتينة التي استند عليها دوما بثقة – لم تعد تجدي ، وزاد من اضطرابه أن الدكتور أعلن له بوضوح أنه لا يعجبه (ألم يقل ذلك؟)

وهو لا يعرف ماذا يفعل لكي يعجب الدكتور بسيوني ؟... ومرت أيام .. وأسابيع .. وشهور وظل هشام يعمل في القسم بالدأب ذاته، ولكن فقط بنصف عقل ، كان نصف عقله الآخر مشغولا بالسؤال الملح المهم : ماذا يفعل لكي يعجب الدكتور بسيوني ؟ ولما حار هشام في الإجابة قرر أن يسأل من يعرفهم ، وبدأ بأمه فحكي لها ما حدث ، وألقي عليها السؤال ، لكن أمه – لدهشته- أرجعت كل المشكلات إلى حسد أصحابه لتفوقه ، وراحت تلح عليه كل ليلة حتى يعبر سبع مرات علي مبخرة مشتعلة، كانت تحضر لها البخور من ضريح السيدة " سكرة" (وهي من أولياء الله المعروفين في شارع الأزهر) وكان ضيق هشام بكل ذلك شديدا ، لكنه إرضاء لأمه وتخلصا منها ... كان يذعن ويعبر سبع مرات علي المبخرة .. ومضي الوقت وبقيت أشهر علي امتحانه الثاني للماجستير (فرصة هشام الأخيرة) واستمات هشام ليعرف كيف يعجب الدكتور بسيوني . وأخذ يتقرب من كل أستاذ في القسم، ويتحين ساعة صفوه ، ثم ينفرد به ويسأله في تودد ضارع: أريد أن أستفيد بخبرتك يا دكتور. .. ماذا أفعل لكي أعجب الدكتور بسيوني ؟... وكانوا جميعا يبتسمون وتجيء إجاباتهم واحدة : "أستاذنا الدكتور بسيوني يحب كل من يخلص في عمله ويجتهد " .. وكان هشام يعرف أنهم يكذبون .. وبدأ هشام يسأل زملاءه في الأقسام الأخرى .. كان يدخل قسم الأشعة أو يمشي إلى قسم الباثولوجي ، ويبحث عن زميل دراسة قديم ، ويلقي عليه السؤال ، وشيئا فشيئا .. بدأ يعرض مشكلته علي أطباء لا يعرفهم ، كان يقترب منهم ويبتسم ويعرفهم بنفسه ، ثم يعرض الأمر ويلقي السؤال:" ماذا أفعل لأعجب الدكتور بسيوني ؟ " ، ولا يعرف أحد بالضبط كيف عثر هشام علي الإجابة ، لأن ما حدث بعد ذلك حدث فجأة .. ففي يوم الأحد ، دخل هشام كعادته ليعرض علي الدكتور بسيوني قائمة العمليات ، ولم يكن الأمر يستغرق بضع دقائق في العادة ، لكن هشاما تأخر هذه المرة .. وتأخر إلى درجة أن أطباء القسم – بعد ساعة من دخوله- أخذوا يتهامسون في قلق ودهشة ، وخرج هشام أخيرا .. وكان وجهه يعكس تعبيرا غريبا .. وهو خليط من الألم والإنهاك والراحة ، ولم يعرف أحد ما جرى بين هشام والدكتور في ذلك اليوم ، لكن أحدا لم ينس لقاءهما هذا ، لأنه كان بداية التحول ، فقد صار هشام بعد ذلك يدخل للدكتور يوميا ويقضي معه وقتا طويلا، بل أصبح الدكتور يبعث في طلبه إن لم يجده ، وقد أذيع في القسم – بعد أسابيع – أن الدكتور أخذ هشاما ليساعده في العيادة ( وهذه لم يفعلها الدكتور بسيوني مع نائب من سنين) وصار هشام بعد ذلك وحده المختص بمواعيد الدكتور بسيوني وأحواله ، فإذا أردت أن تعرف في أي مستشفي يجري الدكتور بسيوني عملية الغد ، أو إذا كان مزاجه يسمح بأن تعرض عليه طلبك ، بات عليك أن تسأل هشاما وحده دون سواه ، ولم يعد هشام مضطرا لتحمل الإهانات من أحد ، لسبب بسيط هو أن أحدا لم يعد يهينه .. بل إن الجميع – الكبير والصغير – صاروا يتلطفون في معاملته حتى الدكتور منصور بات يتعمد أن يلقاه كل صباح ويحييه ، بل طلب منه أكثر من مرة أن يساعده في عملياته ، لكن هشاما كان يعتذر بأنه مشغول تماما مع "الباشا" (يقصد بسيوني) ، فكان الدكتور عندما يسمع ذلك يهز رأسه وكأنه يقدر مشاغل هشام .. ولم يلبث هشام أن اشتهر بأنه نائب حازم ، لا يعرف التهاون في حق العمل ، فكان يخصم أياما لأية حكيمة تخطيء بعد أن يلومها ويوبخها ، وإذا جاء الخطأ في حق طبيب كبير في القسم كان هشام ينظر إليه ويبتسم (في أدب وقوة) ويسأله: هل تظن أن الباشا يرضيه أن تفعل ذلك ؟ .. (كان هذا السؤال يبعث الاضطراب في أشد الأطباء تماسكا وصرامة) .. ولما تقدم هشام لامتحان الماجستير في المرة الثانية ، لم ينكفىء علي الكتب كما فعل من قبل ، لكنه نجح وجاء ترتيبه الأول وقبل أن تعلق النتيجة هنأه الدكتور بسيوني قائلا: " مبروك يا حلوف طلعت الأول"، وابتسم هشام وانحني ، وبدت حركاته وابتسامته هذه المرة من نوع جديد مختلف وقال :" كله من فضلك يا باشا"

وأحدث الزملاء والأساتذة جلبة شديدة في تهنئة هشام ، ولما جاء موعد تعيينه أعلنت الجامعة أنه لا توجد وظائف شاغرة .. وكانت هذه مشكلة كفيلة بتحطيم مستقبل هشام ، لكنه ما إن علم بالأمر في الصباح الباكر حتى أمسك بسماعة التليفون وطلب الدكتور بسيوني في المنزل ( وهذه لم يجرؤ عليها أحد من قبل) وتفهم الدكتور الأمر واتصل بالمعنيين ، وقبل أن ينتصف النهار ، تلقي هشام نبأ تعيينه مدرسا مساعدا بقسم الجراحة العامة .

حدث هذا من عامين أو أكثر .. والدكتور هشام الآن – تحت إشراف الدكتور بسيوني - مشغول بإعداد رسالة الدكتوراه ، والحق يقال أننا – زملاء دراسته القدامى – نباهي دائما بما وصل إليه ، وكثيرا ما نزوره في قسم الجراحة ، ونقضي معه وقتا جميلا نتحادث ونسترجع الذكريات ، وبرغم بشاشته في لقائنا ، وبرغم حبنا له واعتزازنا به ، فإننا أحيانا ما نشعر بأن شيئا في صديقنا القديم قد تغير ، لكننا سرعان ما نطرد عن أذهاننا هذا الخاطر.



تـــمـــــت
رد مع اقتباس
  #10  
قديم Mar, 03 2006, 12:59
TURBO
عابرون في كلام عابر
شاب - طب بشري - سنة خامسة
 
تاريخ الانتساب: Feb, 21 2005
المكان: حلب
العمر: 22
المشاركات: 2,038
التشكرات: 3,764
مشكور 2,148 من المرات في 668 من المشاركات
Images: 10
حلوة هالقصة دكتور فراس شكرا جزيلا لك

لكن عندي سؤال
ماذا فعل دكتور هشام حتى حاز على اعجاب الدكتور بسيوني؟؟؟
هي ما فهمتها

تحياتي
رد مع اقتباس
الرد

Bookmarks
  • Digg
  • del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Google
  • Facebook
  • My Yahoo!
  • MySpace
  • Ma.gnolia
  • Furl
  • Reddit
  • NewsVine
  • Netscape
  • Slashdot
  • SphereIt
  • Feedmelinks
  • Technorati
أدوات الموضوع

 

المواضيع المشابهة
الموضوع مبتدئ الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
القاموس الطبي الموحد UMD الآن على بشري حلب Shankool إعلانات الملتقى الإدارية 9 Sep, 01 2008 12:55
البحث في بشري حلب Shankool إعلانات الملتقى الإدارية 2 Sep, 16 2005 13:22
إنجلترا جديد بشري حلب: امتحان Plab مباشر على الموقع bashari امتحانات الدول الغربية (بشري) 3 Mar, 22 2005 22:26



تم توليد الصفحة خلال 0.44671 ثانية باستخدام 12 من الاستعلامات

Valid XHTML 1.0 Transitional Valid CSS! Get Firefox!! Add to Google

كل الأوقات حسب GMT +2، والوقت الآن 13:28.


Powered by vBulletin - Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.2.0 ©2008, Crawlability, Inc.
CMPS & Link Directory are powered by vBadvanced
Photo Gallery is Powered by PhotoPost vBGallery
Copyright ©2004 - 2008, Syrian Medical Society