| الحاكم عندما يجري مصالحة حقيقية
بلاد بينين أو التي تدعى أيضاً داهومي ، كان يحكمها حاكم عسكري شيوعي ماركسي أحمر ، وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري ، و حكم البلاد حكماً فردياً شمولياً مخابراتياً بالحديد و النار مدة تسعة عشر سنة ، و قضى على الحريات باسم محاربة الإقطاع و الثورة العمالية و الفلاحية ، و ألغى الأحزاب باسم الاشتراكية و محاربة الرأسمالية و الرجعية و التخلف ، و قام بالمجازر و ذبح أبناء شعبه من جميع الطوائف و الاثنيات (من البوذيين و المسيحيين و المسلمين ..) و دفنهم في مقابر جماعية من أجل حماية الثورة و التطهير الوطني ، و بنى السجون و المعتقلات و عذب و نكل تعصباً للحزب و لغسل دماغ المعارضين ، و قرب إليه المنتفعين و الانتهازيين و مرضى الجوع المزمن ، و الفقر المدقع ، الذين كانوا يباركون له أعماله و تصرفاته ،وكانوا يجتهدون لإرضائه ،و يشبعون غرائزه المضطربة ، و يبررون جرائمه الرهيبة ،و يحولون الباطل حقاً و الحق باطلاً، و يصفقون و يهللون لطلعته البهية، و لخطاباته الخشبية، و لحركاته البهلوانية، و قراراته الارتجالية ، و يسبحون بحمده و يقدسون اسمه .
فالذي حدث هناك أن الحاكم العسكري الجنرال الأحمر الماركسي العجوز عندما رأى جدار برلين ينهار ،فكر وقدر و اتعظ ،و وقف وقفة رجل مع ذاته ، و خرج بصيغة أنجته و بلاده من محن و كوارث لا يعلم حجمها و عواقبها إلا مدبر الكون ، فغيّر بوصلة حكمه من الشمولية إلى الديموقراطية ، و من العسكرية إلى المدنية ، و من الشيوعية الحمراء إلى التعددية ، و من الحزب الواحد القائد إلى حرية الأحزاب ، و من القائد التاريخي الملهم الواحد الأوحد الفرد المؤبد إلى الانتخابات التعددية و صناديق الاقتراع ، و من المحسوبية و حكم العائلة و أولي القربى و الارتجالية إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب حسب إمكانياته و جهده لا حسب قربه أو بعده من الزعيم القائد الخالد الرمز، و من الأحكام الاستثنائية و سلطة الأمن و إرهاب الدولة إلى حكم القانون و قوة الدستور .
حيث دعا إلى مؤتمر وطني شامل حقيقي وليس إلى مؤتمر صوري وأخرج المعتقلين من السجون و المعتقلات ودعا المعارضين المنفيين في بلاد الغربة بعد أن أعطاهم ضمانات حقيقية .
هذا المؤتمر ضم خمسمائة من القيادات العسكرية والسياسية والدينية و الوطنية وافتتحه الرئيس بخطاب وضح فيه خطه الإصلاحي الجديد ،و استمر عشرة أيام في اجتماع متواصل و نقاشات حادة ، و في أجواء ديموقراطية صحية ، واستمع الرئيس فيه إلى السب واللعن والشتم و الطعن في نقض و نقد حكمه الشمولي البغيض ،و فتح ملفات فساده السوداء دون أن يعترض – و هو أدرى بما اقترفت يداه- ثم خرج المجتمعون بوفاق وطني وانتخبوا من بين الخمسمائة المجتمعين رئيساً مؤقتا للبلاد من زعماء المعارضة الخارجة من السجن .
و كان شرط الرئيس العسكري السابق أن لا يذبح هو و رفاقه العسكريون. و أن تبقى القوة العسكرية في يده لسنة انتقالية. ومضت سنة 1990م على بنين أو الداهومي في ظل الإصلاح الجزئي حسب ما رسمه المؤتمر ، ثم أجريت انتخابات ديموقراطية حقيقية شملت الأمة بأكملها.
ونجح فيها زعيم معارضة آخر و استلم الحكم خمس سنوات حسب الدستور الجديد ، و بهذه الطريقة الرشيدة، و بهذا الإصلاح الحقيقي لا الدعائي ،و بهذا الصدق مع نفسه و وطنه ، كسب الديكتاتور السابق قلوب مواطنيه و احترامهم ، بعد أن حافظ على نفسه و رجاله و قبل ذلك على وطنه ، ليعود بعد خمس سنوات من تركه السلطة الديكتاتورية رئيساً منتخباً متوجاً على قلوب و رؤوس شعبه عبر صناديق الاقتراع الديموقراطية ، و لم يحصل له ما حصل مع تشاوسيسكو في رومانيا و غيره من الطغاة عباد الكراسي السلطوية، و مرضى جنون العظمة البغيض.
فهل ياترى يتعظ ويتعلم حكام منطقتنا من تلك الدروس ؟؟؟؟؟ |