| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع |
|
#1
| |||
| |||
| "كرسي الولادة" في تلك البيوت الصغيرة أو الكبيرة، لم يكن كل شيء واضحاً بل كان مثيراً،. يسير بقواعد شديدة الصرامة و تتعلم النساء طريقة تعاملهن مع الحياة و فيما بينهن و بين رجالهن، و يتعلم الرجال طريقة تعاملهم فيما بينهم و مع أهل بيوتهم... فكل شيء كان مدروساً و مؤسساً تأسيساً تسلسلياً يعتمد على الرتب، و السن و المقام و العلم و المال. بحيث استمرت حتى القرن العشرين أو لعلها مستمرة في التعامل بها حتى اليوم. من هذه العادات الحلوة أحياناً و المضنية أحياناً تعلمت النساء أن يصرخن أثناء الولادة.. و أن يتركن أنفسهن على هواها.. فأثناء الولادة كل شيء مسموح به .. الشتيمة و الصراخ و البكاء.. و تصعيد الألم الذي يكون شديد الصعوبة من حيث المبدأ إلى ألم ضاج ثائر معبر عن كل ذبذبات الشدة التي تمر بها المرأة أثناء الولادة، بل قبلها وصولاً إلى الطفولة الأولى و الطفولة الثانية والزواج و المعاناة الصامتة المغلفة بقواعد الطاعة.. في الولادة تعبر المرأة عن ألمها الحقيقي الأني و غير الآني. لتصرخ صراخ ألف عام.. و لتبكي بكاء ألف عام .. لتندب آلام المخاض التي لا تحتمل و لتفقد صبرها الذي دربته على التأقلم، حتى يصل صبرها و صوتها إلى أسماع الجيران ليعلموا.. ليعلمن، بأن مخلوقاً صغيراً سوف يدخل إلى بوابة الحياة من أصعب أبوابها- باب الألام الوحيد- عندئذٍ، يكف الرجال عن اضطهاد النساء .. يهربون من بيوتهم حتى لا يسعمون صراخ نسائهم، محافظة على الهيبة، و لأنهم ال يريدون أن يسمعوا .. لا يستطيعون! أو لا يجسرون؟ أو لا يريدون !.. و كيف بهم .. و هم القادرون على دفن أعز أحبائهم، لا يستطيعون الوقوف مع نسائهم في اللحظات الحقيقية التي تجمعهم.. معهن!؟. أم لعلهم كانوا يخافون أو يخجلون من قدوم "البنت" فلسوف تكفهر وجوههم و متنعون عن تهنئة نسائهم و أمهاتهم .. و عند تكرار إنجاب الإناث كان شبح الطلاق يخيم على صدور النساء، أو ليحدث الزواج الثاني بإمرأة أخرى، .. زواج سوف يحمل معه عشرات المبررات و الهزائم التي تجعل من الزوجة الأولى إمرأة تقبع بكل إنسانيتها فوق رف المطبخ القديم .. لتخدم الآخرين و الأخريات .. و لتكون أداة إنجاب "مرة أخرى" متى شاء الطرف الآخر .. و بحكم عقود البيع التي كانت مطوطة في الأدمغة المخطئة. لهذا .. يزداد صراخ الوّلادات في كل الدنيا .. يطلبن النجدة من رب العالمين .. و يطلبن (الخلاص) من أقسى ألم إنساني ممكن .. حين يكنَّ جالسات على (كرسي الولادة). فما هو كرسي الولادة؟ هذا الذي تخافه الحامل.. و يخاف من مجرد ذكره كل الرجال. تخافه كل من أنجبت ولدها عليه؟!. أما اللواتي لم يعرفن الولادة .. أو تجاوزن سن الإنجاب بمراحل و تحجرت مفاصلهن الانتقامية فولاذيات لا يتأثرن بمنظر الصبايا المتألمات الماخضات فلا يهعلن من منظر (كرسي الولادة). إنه منطق المدينة الغامضة .. القاسية في تقاليدها .. و غير الواضحة في طرق التعامل بين أهلها، بين إظهار المحبة .. و إخفاء الغيرة. لهذا كانت النساء القويات العضلات يمسكن بشدة بالماخض التي تتألم. يمنعنها منعاً باتاً عن الحركة -و لعل هذا أفضل و أيسر- لكنهن لا يتركن لها حرية استنشاق الهواء في الفترات الفاصلة بين الآلام .. إلا من خلال الأوامر المتلاحقة التي تكون بالتأكيد في منتهى الحكمة .. لكنها في الوقت نفسه في منتهى القسوة. و تتالت الأصوات: اعيني ولدك .. صوت آخر، اكبسي .. و تكبس المسكينة حتى تجحظ عيناها (أمر طبيعي) .. تئن الماخض .. ثم تعلن كل حبالها الصوتية اكتشافاً لأصوات تتراوح بين الأنين و العنين و الخوار .. ثم تبدأ بالصراخ .. تصرخ و كلهن واقفات كجهابذة المخلوقات الفطرية و الأم تجفف عرق ابنتها .. و الولادة على الكرسي. قليلاً من الحنان أريد .. قليلاً من الحنان يا بشر! أما كرسي الولادة فهو واقعياً، كرسي خشبي (مقور القاعدة) له ذراعان و له ظهر منخفض .. و القاعدة مجوفة مفتوحة من الأمام .. ثابتة من الخلف مما كان يسهل استخلاص الجنين و تلقيه سالماً منزلقاً بأمر الله تعالى. أما حادثة الولادة على الكرسي .. فلسوف ترويها لنا (أمينة) بنفسها. قالت: أن من سواد الشعب او من بيضاه .. دمي أحمر أو ازرق لا فرق، فالدماء كلها حمراء .. لكنها تزرق لدى بعض الأشخاص لأسباب ذهبية. إمرأة صبية أنا .. اعيش في القرن التاسع عشر .. متزوجة من رجل له شاربان معقوفان نحو الأعلى .. يثبتهما كل صبا بما يدعى (الكوزماتيك) .. لا أدري تماماً ما هو هذا المستحضر لكنه على الأغلب نوع خفيف من الصمغ كي يبقى الشارب مفتولاً متجهاً نحو الأعلى .. طبعاً نحو الأعلى. و في البيت .. يعيش رب الأسرة الذي هو والد زوجي مع مجموعة من أولاده و زوجاتهم، و من زوجة بالطبع و أختين عازبتين (لأسباب مادية و اجتماعية إرثية)، فرب الأرة لم يكن راغباً بتوريث ماله لأطفال يحملون اسم أسرة أخرى .. و في المنزل .. صبايا .. و حكايا. فكل واحدة من زوجات الأبناء اختصت مع زوجها و أولادها بغرفة مستقلة .. و هذا كان شأني فاختصصت بغرفة ووضعت جهاز عرسي .. و صار لي عالمان: عالمي الداخلي المحصور في الغرفة الوحيدة و عالمي الثاني المحصور في المنزل، و المطلّ على بعض الماء و بعض الزهر .. و بضع الثمر و كثير من التقاليد. لا بأس .. حملت .. أنا أمينة بعد زواجي بثلاثة أشهر و بعد أن أصبحت العيون ترمقني باستخفاف لكوني قد أكون أداة غنجاب سيئة أو معطلة! لكنّي حملت .. و ابرزت بطني و قوست ظهري .. و وضعت ذراعي على خاصرتي تأكيداً لدخولي إلى عالم الأمومة المقبل .. و كان الوحم شديداً عليّ. لكني بالغت فيه .. و لم اتمالك و أتماسك و أقاوم .. و حسب ما علمتني تقاليد بلدي و علمني أهلي و صرت اطلب المستحيلات من زوجي، فواكه في غير أوانها .. موز استوائي منقط .. سفرجل في الشتاء .. حتى أنني طلبت يوماً (لبن العصفور) .. و كان زوجي ملزماً و مقتنعاً بتلبية (أوامري) التي لا امرسها في الحالة العادية .. لكنه .. و حسب ما علمته التقاليد .. و ربما بعض الحب .. كان مجبراً على تلبية الرغبات من اجل (ولي العهد) الذي سوف يضيف اسمه إلى شجرة العائلة .. و خوفاً من أن تظهر في وجه الوليد وحمة توت أو شهوة قثاء أو أذن هرّة. و لقد كف زوجي عن فتل شاربيه قربي طوال مدة الحمل .. منتظراً الحدث الأول السعيد. إلى أن وصلنا إلى آخر مرحلة .. و أعلن الصغير المتحرك في جوفي استعداده للخروج تدفعه التقلصات الخارقة بإذن الله تعالى. ساد الهرج و المرج في المنزل .. و طُلب من الصبيان الصبيان اليافعين التوجه فوراً لإحضار "الداية" أم حياة التي سوف تقوم بالتوليد .. و(الداية) أي القابلة، في مفهومنا الشعبي هي المرأة التي لا تستر وجهها و شعرها عن الذين قامت بإخراجهم من أرحام أمهاتهم و أصبحوا رجالاً باعتبار أنها أم الكل .. و باعتبار أنها أنزلتهم (من طوقها. حين وصلت أم حياة استقبلتها حماتي بكل ترحاب بينما كنت اتوجع و اتألم بصمت، و بعد إجراء (الفحص السريري) على الفراش الممدود على الأرض قالت أم حياة "هاتوا كرسي الولادة" ميسرة بإذن الله هذه الولادة. هبط قلبي الفتي و سقط من صدري و استقر عند قدمي .. و تحولت إلى امرأة خائفة بخاصة حين اشتد الألم و تواترت و تقاربت أوقاته و أم حياة تقوم بوظيفتها التهيلية على اتم وجه. و حين علم رجال الأسرة بأهمية المعركة القادمة .. انسحبوا إجلالاً و تأدباً بعد أن فتلوا شواربهم و صمغوها .. و ارتدى الزوج أحسن ثيابه و أخذ سبحته بين يديه و خرج من المنزل. - لماذا تركتني وحدي؟! صرخت الأم بي .. "عيب الأزواج لا يحضرون الولادات" شعرت بأنني كالرغيف المفلوع إلى قسمين .. قسم موجود و قسم هارب ..، و بما أن الرجال لا يحضرون الولادات سكتُّ و استسلمت .. فعلى الرجل أن يرى زوجته في أحسن حالاتها و بشكل دائم .. و من الأفضل ألا يشاهد زوجته عند الولادة فقد (تقفز نفسه) و يكرهها! .... إنها التقاليد المدروسة. ممكن .. لذا سكتّ و أذعنت و جيء بكرسي الولادة. رفعوني و وضعوني فوقه .. و اشتد المخاض و آن الأوان .. و صار الألم لا يطاق .. عندما أصبح الألم لا يطاق! أمسكتني إحدى العمّات من يدي و ذارعي .. و أمسكتني العمة الثانية من ذراعي الثانية و دخلت حماتي المتمرسة فثبتتني على ظهر الكرسي بعد أن أحاطت كتفي و صدري. أما قاعدة الكرسي فكانت مستعدة لاستقبال المولود القادم من صدفة الخلق. و إني لا أذكر جيداً أين كانت قدماي .. لكن "أم حياة" كانت موجودة في مكان ما تساعدني و تقودني إلى بر السلامة و تقول لي: أعيني ولدك! و كلما اشتد الطلق كانت النسوة من حولي يصرخن (جاءت الطلقة) .. و أنا مثبتة على الخشب.. ممسوكة من جميع أطرافي كأنني أقاد إلى مجموعة من المقاصل . صرت أصرخ .. حق لي الصراخ .. يحق لي الصراخ .. و التألم أرجوكن عاملنني بلطف في تلك اللحظات المصيرية .. و إني أقول بحق أن أم حياة كانت امرأة بارعة .. و أنها كانت تستطيع ثني يديها نحو الخلف حتى تصل الاصابع الرسغ .. أصابع كأنها بلا مفاصل و لا عظام. كلما اوشكت الولادة و أصبحت قريبة .. شعرت أنني موشكة على الموت .. و لقد كانت امي تبسمل و تقرأ القرآن و تفرك لساني الجاف ببعض التمر قائلة .. التمر يسهل الولادة. و اقترب الوضع .. اقرتب القدوم .. صرخت صرخت حتى شق صوتي عنان السماء بينما كانت أم حياة تستلم المولود القادم إلى الدنيا. انتهى كل شيء .. صوت بكاء طفل .. العرق يتصبب مني .. و الارتجاف يعلوني و يهبطني .. ثم صوت زغاريد .. و سمعت كلمة (ذكر) إنه (صبيّ) السلامة لكم يا آل فلان .. استمر نسلكم .. و استمر إرثكم و حُفظ مالكم!!.. و ارتفع مقام الأم الصبيّة درجات و درجات.. الحمد لله .. المهم أنني أحسست أن الحصار قد بدأ بالانفكاك عنّي .. و بقيت على حالي حتى تخلصت المشيمة التي ندعوها (الخلاص) و في ذلك نهاية الولادة و زوال خطر النزف. و بعد أن قامت القابلة بما يلزم .. وضعوني على فراشي. أما سرير عرسي فلسوف اضطجع فيه يوم (المباركة) بعد أن يُفرش فوقي (الجودلي الصرمة) بشكل استعراضي. و (الجودلي) هو غطاء الفراش .. أما (الصرمة) فهي نوع من الطريز المذهب و الفضيّ .. تلفت .. رأيت "كرسي الولادة" متروكاً .. خشبياً .. فاغر القاعدة .. سائب المقدمة .. كهيكل عظمي قديم .. كرسي واطئ الظهر .. شديد الذراعين .. طويل الحوض .. و كدت اضحك أو أبكي، لكنهن منعنني فعلى الولادة ألا (تنهزّ) لا فرحاً و لا ترحاً. تفقدت حماتي .. فعرفت بأنها أرسلت من يبشر زوجي بالمولود البكر الذكر .. الذي سوف يحمل اسم أبيه .. و الكرسي مازال في الغرفة فارغاً .. و أنا .. التي كنت قبل قليل اتعذب فوقه مسجونة ضمن بوتقة النساء القاسيات هو فارغ الآن .. يضحك بفمه المفتوح دائماً على قاعدة الموت و الحياة الفاغرة الفم .. تستقبل من تستقبل و تودع من تودع. قالوا لي .. في الولادة الثانية سيكون ألمك أخف بكثير .. و لن تصرخي كما صرخت اليوم! أرجوكن اتركنني الآن لا تحدثنني عن الولادات القادمة التي تجعل المرأة (ناقصة عقل) ثم .. لماذا لا اصرخ؟ فإني في أية مرة سوف أصرخ .. و املأ النيا صراخاً طالما أن يد زوجي .. شريكي في الحياة .. لا تمسك بيدي .. و طالما يكون رغيف الحياة مقسوماً و فاصلاً بين الرجل و المرأة. تعليق: انتهي عهد (كرسي الولادة) اليوم بالرغم من وجود بعض (الكراسي الأثرية) لكننا لا نستطيع أن ننكر أنه و إلى حين قريب كان أداة ضرورية استثنائية في كل بيت. و تبقى النساء .. في كل العالم يلدن بالألم و لكن .. يشاركهن أزواجهن بهذا الألم .. يتألمن كثيراً .. لكنهن لا يصرخن كثيراً .. و لا علاقة (للمخدر) و (لملطفات الألم) و (لحقن سلاسل الظهر) بهذا الصراخ. مرحباً .. ايتها الراعية التي كانت تنجب ولدها في الحقل .. و تقطع سرته ثم تحمله في صرة تقطعها من ثوبها و تمضي .. غير عابئة بتعقيدات المدينة و تسهيلاتها ... طوبى لها! ناديا العزيعن مجلة طبيبك بتصرف |
| الأعضاء الـ 2 التالية أسماؤهم قالوا شكراً لك يا محمد أبيض على هذه المشاركة المفيدة: | ||
|
#2
| |||
| |||
| جميلة جداً ولكن كيف يُمكن لرجل أن يصمد لدى صراخ وآلام زوجته الحبيبة وهي تلد؟ وكيف له أن يحتمل صراخها وما بيده حيلة ليوقف آلامها ويريحها؟ أعتقد أن ابتعاد الزوج عن زوجته خلال الولادة أمر مبرّر ... مع إدراكي التام لجمال الوجود بقربها ... شخصياً لا يُمكنني الصبر والصّمود أمام أُنثى تتألّم خاصّةً إن كانت حبيبة ... لكن الأجمل أن تعود وتطمئن على صحتها وسلامتها قبل صحة مولودها ... وتزرعَ قبلةً على جبينها أو خديها أو شفاهها ... وعندها تعبر لها عن حبك وامتنانك لها ومقدار قلقك وخوفك عليها ... |
![]() |
| Bookmarks |
| أدوات الموضوع | |
| |
المواضيع المشابهة | ||||
| الموضوع | مبتدئ الموضوع | المنتدى | الردود | آخر مشاركة |
| معلم" في صف ابتدائي يشجع طالبان على مبارزة "وحشية" بالـ " كفوف " | سنفور | اجتماعيات | 16 | Jun, 13 2008 22:36 |
| كشف مبكر عن السل "قد ينقذ الالاف" | Article Bot | آخر المستجدات الطبية | 0 | Oct, 12 2006 13:08 |
| كيف "تحتال" البكتيريا المعوية على جهاز المناعة | Shankool | آخر المستجدات الطبية | 1 | Mar, 21 2005 22:39 |