| بعد بكاء السنيورة: متى يبكي زملاؤه من المسؤولين العرب؟ ((الكلام يعبر عن وجهة نظر كاتبه))
بقلم: حكم البابا *
13 آب/ أغسطس 2006
شعرت بأن شيئاً في العالم العربي يتغير وأنا أشاهد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يبكي أمام كاميرات التلفزيون، وأحسست بأنني لأول مرة أشاهد الوجه الانساني لمسؤول عربي، فتاريخنا مع الصورة التلفزيونية للمسؤولين العرب له وجه واحد مبتسم، فأنا لم أشاهد طوال حياتي مسؤولاً عربياً على شاشة تلفزيون إلاّ وهو في غاية السعادة والسرور، وطرفا فمه يكادان يلتصقان بشحمتي أذنيه، وطالما استغربت حبور المسؤولين العرب الذي ينتقلون من نكبة إلى نكسة، ومن خسارة إلى هزيمة، بنفس المهارة التي يحطم بها لاعب رياضي رقمه القياسي السابق، وغالباً ماسألت نفسي لماذا يظهر المسؤولون العرب على شاشات التلفزيون سواء في نشرات الأخبار أو الاستقبالات الرسمية أو المؤتمرات الجماعية كما لو أنهم أمام مشهد من مسرحية لعادل إمام أو دريد لحام، وما الذي يضحكهم فعلاً؟! فلم تمر سنة منذ إنشاء دولهم وحتى اليوم إلا وقامت فيه اسرائيل بمجزرة ضد مواطنيهم، ولم يمض شهر إلاّ وظهر إلى العلن خلاف بين دولتين عربيتين، ولم يحققوا في تاريخيهم الحديث نصراً في المعارك أو الدبلوماسية أو الاقتصاد أو التنمية أو الرياضة، إلا بين وعلى بعضهم البعض، ولو كان هناك دليل أو معجم يشبه دليل الهواتف أو قواميس اللغات يصنف الأمم والشعوب، لما كان بالامكان العثور على العرب إلاّ في صفحة الهزيمة وباب الخسارة، وأهم انجاز لزعماء الأمة العربية هو تقليص مساحة الأرض العربية، فلو قمنا بعملية حسابية لمنجز أي زعيم عربي لاكتشفنا أنه غادر الحكم - بقضاء الله وقدره طبعاً - وقد صغرت مساحة دولته عن الحجم الذي كانت عليه عند تسلمه الحكم، وأن التوسع الوحيد الذي حققه في فترة حكمه هو في مساحة المقابر والسجون، ومع ذلك فهو لم يكف عن الابتسام أمام كاميرات التلفزيون، وأقصى ما فعله أي مسؤول عربي في ظرف انكسار أو هزيمة لحقت بهذه الأمة هو إظهار قدر قليل محسوب بدقة من التجهم على محياه، ثم ما يلبث أن يغتنم أقرب فرصة للظهور من جديد على شاشة التلفزيون لاستعراض مهاراته في الابتسام، بقصد محو الصورة السابقة المتجهمة التي فرضها عليه ظرف قاهر!
لا يحب المسؤولون العرب البكاء ليس لأنهم أقوياء فعلاً، ويقابلون المصائب والكوارث بثقة القادر على تجاوزها، أو لأنهم صنعوا من اتحاد بين الحديد والفولاذ والصخر، لا من الأعصاب واللحم والدم كباقي البشر، بل كي لا يظهروا بحالة ضعف قد تغري أحد ضباط جيوشهم من الطامحين للزعامة بالتجرؤ عليهم، وحتى لا يبدو عليهم التأثر الذي قد يسمح لشعوبهم في التفكير بسواهم للمناصب التي يتولونها، ويفضلون أن تكون صورتهم العامة خالية من العاطفة الانسانية أو المشاعر الحية، والابتسامة الصفراء يتدربون على رسمها فوق شفاههم - باعتبارها أحد مكونات صورة الزعامة العربية - هي أقرب إلى برودة وشحوب وجوه الموتى منها إلى طزاجة وحرارة الحياة، ولهذه الأسباب فبكاء فؤاد السنيورة حالة استثنائية عربية، لأنها ومهما كانت أسبابها من ضعف أو تأثر بالكارثة أو احساس بالهزيمة أو شعور بقلة الحيلة، أو حتى باعتبارها أداءً دبلوماسياً - كما فسرها قساة القلوب ضعفاء النفوس - أول تعبير انساني ووجداني حي لمسؤول عربي عن حالة العرب اليوم.
لا أدعو إلى عقد قمة للبكاء العربي، ولكن في حال عقدها، فستكون أكثر تعبيراً عن واقع العرب من القمم التي لا يتبادل فيها الزعماء العرب أكثر من أسماء صبغات الشعر والمنشطات والمقويات والاتهامات والصفقات مع أمريكا، والابتسامات التي ليس لها تفسير سوى (شر البلية ما يضحك)، كما دلت كل نتائج القمم العربية السابقة التي شرعنت احتلال العراق وأباحت هدر دم الفلسطينيين!
____________ |