مكتبة الأدب الروسي ... !!!

يدور هذا النقاش حول مكتبة الأدب الروسي ... !!! في قسم قصص وروايات في الملتقى الطبي السوري; السلام عليكم بما أن عدد مشاركاتي يقترب من الألف, فأردت أن تمر هذه اللحظة التاريخية في شيء يفيد الأمة والعروبة بشكل عام, والثقافة والأدب بشكل خاص. لذلك قررت أن أبدأ
عودة   الملتقى الطبي السوري > العموميات > الثقافة > قصص وروايات


استشارات الرازي 

عرض نتائج الاستفتاء: في الحقيقة, هذا الموضوع .........
أعجبني وسأنتظر تكملته بفارغ الصبر, وأقرأ كل ما يورد. 5 41.67%
يعنيني وقد استحاذ على اهتمامي. 5 41.67%
لا بأس به, قد أطل عليكم فترةً إثر أخرى. 2 16.67%
" ~ ما هذه التفاهة ؟ ~ " 0 0%
أنا هنا بالغلط .. ولتوي أردت الخروج .. السلام عليكم 0 0%
المصوتون: 12. ربما لا يمكنك التصويت في هذا المنتدى

الرد
 
LinkBack أدوات الموضوع
 
قديم Nov, 09 2006, 00:30
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
مكتبة الأدب الروسي ... !!!

السلام عليكم


بما أن عدد مشاركاتي يقترب من الألف, فأردت أن تمر هذه اللحظة التاريخية في شيء يفيد الأمة والعروبة بشكل عام, والثقافة والأدب بشكل خاص. لذلك قررت أن أبدأ موضوعاً طويلاً عريضاً, يفيد الجميع - أعتقد أننا هنا معظمنا شعب مثقف نحب القراءة ونتذوق الأدب.
وهناك مناسبة أخرى هامة بالنسبة لي, موعدها بعد أسبوع تقريباً, لكنني ارتأيت أن أباشر بالموضوع قبل حلولها , وأن ذلك لن يخرّب على مرورها بشكل جميل ومميز.
وكذلك .. أحب أن أهدي موضوعي هذا , إلى شخص - أعتقد سيعرف نفسه - ولن أذكره لكم اعذروني
لأقول له "لن ننسى" ... كتلك العبارة التي تكتب على القبور عادةً (لا أعرف أتوجد هذه العادة في سوريا أم لا).

الموضوع سيحوي على تعريفات لروايات روسية مشهورة, إن وجدت الروايات كاملة فسألحقها بأماكنها, معظم ما سيورد هنا هو من الأدب الكلاسيكي الروسي - العالمي. سأحاول كذلك أن لا أطيل عليكم بالتحدث عن الكاتب وسيرته الذاتية, ولا أرهقكم بالآراء النقدية, بل التحدث عن المتن والموضوع نفسه.

أتمنى كذلك سماع آرائكم, ورغباتكم ..

وترقبونا
رد مع اقتباس
الأعضاء الـ 13 التالية أسماؤهم قالوا شكراً لك يا Kliopatra على هذه المشاركة المفيدة:
  #11  
قديم Nov, 10 2006, 23:19
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
تلخيص لمسرحية الخال (أو العم لا فرق في الروسية) فانيا

نحن في حديقة بيت ريفي جلس فيها حول مائدة الشاي طبيب يدعى "استروف" وامرأة عجوز هي "مارينا" والطبيب رجل أعزب ساخط يشكو من الشكوى من حياته، فهو يسلخ عمره بين المرضى يعالج أدواءهم ويضمد جروحهم، نهاره مشغول بالعمل وليله مقطوع بتلبية الاستغاثات، ثم إنه بعد هذه التضحيات الجسام التي يبذلها للإنسانية لا يدري إن كان سيذكره أحد ممن أفنى شعلة حياته ليضىء لهم الحياة . وقد أتى اليوم خاصة ليعود الأستاذ "سيرياكوف" والأستاذ مريض عنيد يأبى إلا أن يشخص مرضه بنفسه، ويصر على أنه مصاب بالروماتزم، في حين يؤكد الطبيب أنه مصاب بداء المفاصل!
يجلس الطبيب مفكراًَ في خواطره الحزينة، فيدخل عليه "فينتساى" شقيق زوج الأستاذ المذكور القديمة، ولا نلبث حتى يظهر لنا جلياً أنه هو الآخر يشكو من حياته ومن الأستاذ؛ أما حياته فلا أنها جافة مرة لا تحفظ له ذكرى جميلة من الماضى ولا تبشره بأمل زاهر فى المستقبل .
أما الأستاذ فلأنه قلب نظام الدار بتصرفاته وطرق حياته الشاذة، ولكن هذا إن أمكن أن يفسر لنا سخطه عليه فلا يمكن أن يكفى سبباً لبغض مر يدفنه له في صدره ويطفحه على لسانه، فإذا سمعناه يتحدث بلهفة عن زوج الأستاذ الجميلة "الجديدة" فهمنا بعض الفهم، وإذا سمعناه يتحدث عن الأستاذ متهماً إياه بإنه أفقده ربيع حياته وهو يخدعه بعلمه المزيف وقيمته التي كان يظنها في السماء وهي في أسفل الأرض، فهمنا كل الفهم. والأدهى من ذلك أن قربه من هيلانا – زوج الأستاذ – مع يأسه منها أصاباه بنكسة خلقية، فأضحى كسولاً مهملاً سكيراً، وكان نشيطاً مجدا مستقيماً.
وإذا هو في سخطه يدخل الأستاذ "سيرياكوف" وزوجه هيلانا وابنته صونيا "ابنة أخت فينتساى"، والأستاذ حديث العهد بالقرية، وهو لم يقصد إليها غلا مضطراً بدافع الفقر، وهكذا قنع بأن يقيم في هذا البيت الذي ورثه عن زوجته القديمة المتوفاة .
.. يسرع الأستاذ بالدخول إلى غرفته ويبقى الجميع يتحدثون، ويدور بينهم حوار يكشف لنا الستر عن نفوسهم. فالطبيب له مبادىء ثابتة، وهو ميال للنيات ينعى علىالإنسان كسله وجبنه، إذ يهلك الغابات ويحرقها ويحرم الوجود جمالها، ويغير على حقوق الأجيال القادمة، تلك الأجيال التي هي موضع اهتمامه وقطب آماله، أما فينتسكى "الخال فانيا" فهو على النقيض من ذلك، لا تترك غرائز السخط والهدم فراغاً في صدره لغيرها، لذا هو يسخر من الطبيب ومن الأجيال القادمة التي يعمل حسابها. فإذا تحدث إلى هيلانا أبدى لها أسفه على حياتها وأشفق بها من الكسل والملل الذين يصيبانها بسبب زوجها، وهي تضيق بحديثه ذرعا وترد عليه ساخرة:
"آه! الكسل والملل! جميع الناس يرمون زوجى بكل سوء .... وجميعهم يرعونني بعطف وحنان! لها زوج عجوز! يا لها من عاطفة ويا لى من شديدة الفهم لها! وإن كل الأمر – كما قال ستروف ـ أنك نزاع لإفناء كل شيء من غير تمييز، فكما تفنى الغابات تفنى الإنسان – وبهذا لا تبقى على ظهر الأرض أمانة أو سذاجة أو تضحية، لماذا لا تستطيع أن تلحظ امرأة غريبة بهدوء؟
لأنه تستقر في قرارة نفسك عبقرية التخريب .. ليس عندك رحمة لغابة أو شجرة أو امرأة".
ولكنه يزوَرّ لهذه الفلسفة ولا تحفل هي بازوراره .. وتستطرد حديثها متناولة مواضيع وملاحظات شتى .. بعضها عن الريف وبعضها عن الطبيب، والبعض الآخر عن صونيا وحبها الطاهر للطبيب .. ولكن ماله هو ملاحظتها .. فإن عنده الأهم عنده هذا الحب الملتهب فهو يصرح لها به .. إلا أن أطماع حبه ضئيلة لا تتناسب مع شدة حرارته .. فهو يقنع بأن تسمح له برؤيتها، وأن تتحمل الاصغاء إليه .. ولكنه في كلامه يعلو صوته، فتحفل هي وتهمس في أذنه:
"بصوت منخفض وإلا سمعنا أحد".
ويرد عليها بحرارة "دعيني احدثك عن حبي .. لا تهزئي بي .. وحسبى الحديث سعادة كبرى" إلا أنها تضيق ذرعاً حتى بالحديث، وتقول له وهي تختفي عن عينيه "حتى هذا ثقيل".
في سكون الليل، وفي ساعة متأخرة منه كان "سيربرياكوف" جالساً مع زوجه لا يرمق له جفن ولا يسكن له ألم .
والأستاذ لا تقتصر آلامه علىجسمه الناحل، فإن نفسه مضطربة قلقة، وخياله طائش لا يدعه يستريح، فهو يتأفف من شيخوخته، أضعاف ما يتأفف من مرضه، وأي مرض هذه الشيخوصة؟ لقد أنهكته وجعلته بغيضاً للقلوب ثقيلاً على النفوس، لا يذكره لسان إلا بالسخط عليه ولاشكوى منه، وهذه زوجة أقرب الناس إليه تجزع من شكواه المتكررة وتضيق ذرعاً بأناته وثرثرته. وهو – إلى كل ذلك – فقير يتألم من الفقر، ويتحسر على جهده العلمي الضائع، وعلى الشهرة التي نشدها فما استجابت له، فإذا دخلت ابنته لم يلق منها إلا اللوم، وهي تلومه من أجل الطبيب الذي تحبه والذي يضايقه بعناده. وبينا هو موزع بين هذه الخواطر المؤلمة بدخل الخال "فانيا" ويلح في أن تنصرف هيلانا وصونيا ليناما، على أن يسهر هو معه! ويصرخ الأستاذ فزعاً، إذ كيف يمكن أن يبقى مع من يمقته مقتاً ذريعاً؟ .. فإذا ترفقت به الأم مارينا وأظهرت له ألحانا سار معها طائعاً إلى غرفة نومه كالطفل الغرير، وتخرج كذلك صونيا.
ويبقى فينتسكى مع هيلانا، ويجدها متبرمة بحياتها تتألم لحال زوجها الذى لا يأمن لها، وتشكو من ابنة زوجها التي تخاصمها لأوهى الأسباب وتتأفت من أمه التي تتكبر على الجميع لما تحبه في نفسها من قوة الفهم وسعة الثقافة، وتلومه هو على كرهه المفرط زوجها. ما هذه البغضاء القاتلة؟ حقا إن العالم لا تهدد طمأنينته الميكروبات والمجرمون، نصف ما تهدده البغضاء. ثم إنها تطلب منه أن يصلح من أمر هذا البيت المشوه!
هو! ولكن كيف يفعل ذلك وهو لا يدري كيف يصلح من أمر نفسه؟ وبينما هي تحادثه ينفضح أمامها وتلاحظ أنه سكران سكراً خفيفاً، وعلىكل حال فهو لا ينكر نقائصه وعيوبه، ولكنه من جهة أخرى يعلن في غير ما حرج أن حبها هو المسئول عن كل ذلك .. وتضيق بحديث حبه فتخرج.ويجلس هو إلى نفسه يحاسبها: كيف أنها عبدت هذا الأستاذ في الماضي عبادة بطل من الأبطال؟
وكيف أنها بذلت عن رضاء خيرها فيها في سبيل خدمته وتوفير الراحة له؟ ... ويقطع الطبيب عليه حبل تفكيره9 بدخوله وهو يهذى في سكره، ويتهم الخال فانيا بحب زوج الأستاذ .
وينصرم حبل الجدل بينهما إذ تقبل عليها صونيا، وتندفع الفتاة تلوم خالها على سكره وقد كان مستقيماً فاضلاً، ولكنها تخفف من غلوائها إذ ترى الدمع يلمع في عينيه .. وتسمع صوته الضعيف يقول لها، "آه لو .. لو كنت تعرفين"؟
وتسأله في لهفة: "ماذا يا خال إذا كنت أعرف"؟ ويرد عليها وهو يهم بالخروج "انه لمؤلف .. أنه لقبيح .. لا شيء .. سأقول لك فيما بعد .. لا شىء .. أني ذاهب"!
وتلتفت إلى الطبيب تلومه لوماً خفيفاً على سكره .. وتقول له إذا كان يجب البناء وينعي على الإنسان تخريبه مخلوقات الله الجميلة، فكيف يسمح لنفسه بأن يفنى جمسه وهو هبة من الله بالخمر والعربدة؟ وتحنو عليه وتحدثه .. بل تلمح إلى حبها، ولكنه يصدمها صدمة قاسية، فإذا سألته ماذا يفعل لو كانت له أخت تحبه؟
أجباها بأنه ليس له في الحب مجال .. ويختفي من أمام عينيها، وهكذا تصدع قلبها بمثل ما تصدع به قلب خالها في نفس المكان، إلا أن نفسها لا يعلق بها ما يعلق بنفسه من السخط والبغض .
.. وتدخل عليها هيلانا وتتصافحان وتتصافيان وينساق بينهما الحديث فتؤكد هيلانا للفتاة أنها لم تتزوج أباها طمعا في شىء وإنما حباً فيه، فقد كانت تحبه كما يحب الإنسان عالماًُ من العلماء، وظنت أن هذا الحب كفيل بتوفير السعادة لها كزوجة له فخاب أملها. وهي تعترف بأنها ليست سعيدة، وتصرح لصونيا – رداً على سؤالها – إنها تود لو كان لها زوج شاب .. ثم تتحدثان عن الطبيب في إعجاب .. والظاهر أن الحديث أهاج عواطف هيلانا بحيث أحست رغبة للعزف على البيانو، ولكن زوجها لم يسمح لها بذلك فلم تفعل.

نحن في غرفة جمعت الخال فانيا وهيلانا وصونيا .. وهيلانا لاتني عن التذمر والشكوى، وصونيا تنصح لها بالعمل فهو الدواء الشافي للملل والضجر .. وتقول إن العطلة والملل معديان وإنهما فقد انتقلا منها إلى خالها وإليها وإلى الطبيب، وهنا يخرج فانيا ليقطف لها باقة من الزهور، وفي خلوة المرأة بالفتاة تعترف لها هذه بحبها للطبيب .. ما العمل؟ إنها تشك في مبادلته لها الحب، ولولا حرصها على تعلة أمل لحاولت معرفة الحقيقة.
وتقترح هيلانا عليها أن تحاول معرفة ما في صدر الرجل، فإن كان حباً لها كان بها، وإن كان جفافاً اضطرته إلى أن يعدل عن غشيان الدار بتاتاً، وتوافقها الفتاة بقلب خفاق، وتقصد هيلانا غلى الطبيب وهي تحمل هذه النية ولعلها تحمل معها عاطفة أخرى تغيها على التحدث إليه!.. وينكشف لها الأمر فإذا الطبيب لا يميل للفتاة .. فلما تقترح عليه العدول عن المجىء يرفض! ويفوه بتصريحات لعلها كانت تتوقعها جميعاً .. فهو الآخر يحبها ويريد منها أن تلتقي به في خلوة .. ولكنها ترد عليه رداً لم يدل على نفور وربما لم يدل على عدم ميل .. ويلح عليها، بينما الخال فانيا يقف بالباب يشاهد ويسمع، فإذا دخل غير الطبيب الحديث في اضطراب، وخرج لا يلوى على شىء!
وتستغيث هيلانا بفانيا وتلح عليه أن يحمل زوجها على الرحيل لأنها ما عادت تطيق جو هذا البيت ولكنه لا يأبه بها ويكتفي بأن يقول لها أنه شاهد وسمع.
ويدخل الأستاذ ومعه حماته القديمة "أم فينتسكى" ويعرض اقتراحاً ببيع البيت والأرض ويشتري بثمنهما "فيللا" في فنلندا، فيتصدى له الخال فانيا معترضاً ويثور عليه، ويتهمه بإفساد حياته أيام كان مخدوعاً في علمه، مثبتاً له، ويقرأ له ويعمل يومه من أجله ... والآن ها هو ذا يحاول طرده من البيت الذي كان له أكبر الفضل في وجوده، ويزداد هياجه فيحاول قتل الأستاذ ... إلا أنه لحسن الحظ لم يفلح .. وبعد كل ذلك تصرخ هيلانا وتقول إنها تؤثر الموت على مثل هذه الحياة في هذا المكان .. فيزمع الأستاذ الرحيل.

يدخل الخال "فانيا مضطراً ويسرع خلفه الطبيب استروف، ونفهم مما يدور بينهما أن الخال اختلس منه بعضاً من المورفين ليقضي على حياته، والطبيب يقول له إذا أردت الموت فأمامك الغابات، فاقض علىنفسك بما أنت قاض، ولكن رد إلى المورفين أولاً حتى لا أتهم في قتلك" والآخر يمانع في ذلك أشد الممانعة .. وهو يحرق الأرم لأنه فشل في قتل الأستاذ ويتألم أشد الألم لأنهم لم يقدموه إلى المحاكمة اعتقاداً منهم في حماقته.
.. أيحسب هو من الحمقى ولا تحسب منهم تلك المرأة التي تتزوج من عجوز وتخونه مع طبيب؟ والطبيب يسمع كل ذلك ولكنه لا يحفل به فهو غارق في اليأس إلى قمة رأسه .. وعندما يهم بانذار الخال فانيا باستعمال القوة إذا لم يرد له المورفين تدخل صونيا ولا تلبث أن تفهم ما هنالك وتراع له، وكانت إلى ذلك مجروحة الفؤاد بعد أن علمت بانصراف قلب الطبيب عنها، إلا أنها بالرغم من ذلك كله تقبل على خالها تهدىء من خواطره وتلح عليه أن يرد للطبيب المورفين وتعزيه بأنها ليست أقل شقاء ولكنها أجلد وأشد صبراً .. أمامهما العمل .. وفي العمل عزاء وسلوى فإذا اقتنع ورد السم للرجل وسحبته من يده إلى أبيها لتصلح ما بينهما من الأمر.
وتدخل هيلانا على الطبيب وهو منفرد .. هي راحلة .. وينتهي كل شيء ويلحق بعالم الأحلام .. فقط توج ألا يذكرها بسوء وأن ينظر إَليها نظرة لا تعلو ولا تسفل .. عن حقيقة أمرها .. ويحدثها هو عما بثته فيهم جميعاً من حب العطلة واليأس .. ولكن الوقت لا يتسع لذلك فهي راحلة، وهنا لا يتمالك أن يهوى على خدها بشفتيه .
.. ولم تمانع ولم تفكر في الممانعة، فرن ساعة الوداع كالنوم المغناطيسي تكشف الخبايا وتبطل الإرادة .. وهي تتلفت يمنة ويسرة .. ثم تمنحه قبلة .. ولو مرة في العمر! انتهى كل شيىء! ها هو ذا الأستاذ سيربرياكوف يصافح فانيا وقد تصافيا .. وها هو ذا يغيب مع زوجة الجميلة .. ويخرج بعده الطبيب .. ويخلو الحديقة من أزهارها .. وتعود الفتاة وخالها إلى العمل .. إلا أنه لا يقاوم دمعة .. فتعزيه وتهون عليه وتقول له وهي تغالب ألما أشد من ألمه: سوف تستريح وسوف نصغى إلى الملائكة .. سنشاهد السماء كلها في بهاء .. وسنرى الشر والألم يغمرهما حنان يملأ الوجود وتمشى حياتنا هادئة ناعمة رغدة .. أني أؤمن بذلك يا خال. أني أومن بذلك .. أنك لم تذق لذة في حياتك، ولكن صبرا يا خال فانيا صبرا! فسوف نستريح .. سوف نستريح".


تلخيص لمسرحية "الخال فانيا" قدمه أديبنا الراحل الكبير نجيب محفوظ بمجلة المعرفة في يونيو 1933
رد مع اقتباس
  #12  
قديم Nov, 10 2006, 23:36
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
الكبش والآنسة

(مشهد من حياة السادة المحترمين)



كانت سحنة السيد المحترم الشبعانة اللامعة تنطق بالملل القاتل كان قد غادر لتوه أحضان مورفيوس* بعد الظهر ولا يدري

ماذا يفعل لم تكن له رغبة في التفكير أو التثاؤب أما القراءة فملها منذ زمن سحيق وكان الوقت لايزال مبكرا للذهاب الى

المسرح ومنعه الكسل من الذهاب الى التزحلق فما العمل؟ بما يسلي نفسه؟

وأبلغه الخادم يجور:
-هناك أنسة ما جأت تسأل عنكم
-أنسة؟ هم ترى من هي؟ على العموم سيان ادعها.........

ودخلت غرفة المكتب بهدوء فتاة وسيمة سوداء الشعر ترتدي ملابس بسيطة بل وبسيطة جداً وعندما دخلت حيت بانحناءة

وأخذت تقول بصوت مرتعش:- ارجو المعذرة... انا.....قالو لى أن حضرتكم............ أنه من الممكن أن أجدكم في الساعة السادسة فقط.....أنا....أنا.....أبنة مستشار القصر** بالتسيف....
-تشرفنا تفضلي اجلسي اية خدمة؟ اجلسي لا تخجلي
-لقد جئتكم في طلب.......- مضت الأنسة تقول وهي تجلس في أرتباك وتعبث بازرارها بيدين مرتعشتين-لقد جئت.. لكي أطلب منكم بطاقة سفر مجانية الى موطني سمعت أنكم تعطون وأنا أريد ان أسافر وليس معي..... أنا لست غنية...

بطاقة من بطرسبرج الى كورسك
-هم....هكذا....ولماذا تريدين السفر الى كورسك؟ ألا يعجبك الحال هنا
-لا هنا يعجبني ولكن...أهلي اريد ان اسافر الى اهلي لم ارهم منذ مدة طويلة كتبو لي ان ماما مريضة
-هم....وانت موظفة ام طالبة
واخبرته الأنسة بالمكان الذي تعمل فيه وعند من وكم كانت تتقاضى وبحجم العمل الذي كانت تؤديه
- هكذا...... كنت تعملين..... لا يمكن القول ان مرتبك كان كبيرا.....لايمكن القول....ليس من الأنسانية ألا أن تصرف لك بطاقة مجانية......هم.......اذن فانت مسافرة الى أهلك حسنا وربما كان لديك في كورسك حبيب هه؟
حبوب؟هىء هىء هىء...........خطيب؟ أه تخجلين؟ أه لا داعي هذا شيء محمود.....فلتسافري ..... حان الوقت لكي تتزوجي..ومن هو موظف شيء محمود سافري الى كورسك يقال انه على بعد مائة فرسخ من كورسك تنتشر رائحة حساء الكرنب وتزحف الصراصير.....هىء هىءهىء لا بد ان الحياة مملة في كورسك هذه؟ لا تخجلي انزعي القبعة
-يا يحور هات الشاي
لم تكن الأنسة تتوقع مثل هذا الأستقبال الرقيق فشع وجهها بالسرور ووصفت للسيد المحترم كل ما في كورسك من الوان التسلية.......واخبرته ان لديها أخا موظفاوعمها مدرس وأبناء أخيها تلاميذ... وقدم يجور الشاي وتناولت الأنسة الكوب بوجل وراحت ترتشفه دون صوت وهي تخشى ان تصدرعنها مصمصةوكان السيد المحترم يتطلع أليها وهو يضحك بسخرية.... لقد بدأ يشعر بالملل
-هل خطيبك وسيم؟ وكيف تعرفت عليه؟ وأجابت الأنسة بخجل على هذين السؤالين واقتربت بمجلسها من السيد المحترم في ثقة وروت له وهي تبتسم كيف تقدم الخطاب هنا في بطرسبرج لخطبتها فرفضتهم ...... تحدثت طويلاً
وانهت حديثها بأن أخرجت من جيبها رسالة من والديها وقرأتها على السيد المحترم. ودقت الساعة الثامنة
-والدك خطه لا بأس به ....... بأية زخارف ينمق الحروف هىء هىء.. حسنا لقد حان وقت أنصرافي ...لابد ان المسرح بدأ عرضه ......وداعا يا ماريا يفيموفنا
فسألت الأنسة وهي تنهض
-أذن أستطيع أن أمل
-بماذا؟
-بأن تعطوني بطاقة مجانية......
-بطاقة؟ هم....... ليس لدي بطاقات يبدو انك اخطأت يا سيدتي..هىءهىءهىءهىء اخطأت العنوان دخلت غير المدخل ...بالقرب مني يسكن حقا أحد العاملين في السكك الحديدية اما أنا فأعمل في البنك يا يجور أمرهم ان يعدوا العربة
وداعا يا ***ma chère ماريا سيميونوفنا سعيد جدا ....سعيد جدا

رتدت الأنسة معطفها وخرجت .....وعند مدخل الباب الأخر قيل لها أنه سافر الى موسكو في السابعة والنصف.



هوامش:

*اله الأحلام عند الأغريق القدماء. المعرب
**رتبة عسكرية من الدرجة السابعة في روسيا القصيرية تعادل رتبة المقدم العسكرية.المعرب
*** يا عزيزتي بالفرنسية المعرب


أنطون بافلوفيتش تشيخوف 1883
رد مع اقتباس
  #13  
قديم Nov, 10 2006, 23:45
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
الحرباء

بمعطفه الجديد، وبشيء ما يتأبطه يلجُ العريف "أتشوميلوف" باحةَ السوق يتبعه شرطيٌّ ذو شعر أحمر، حاملاً ما صادراه من فاكهة.. الصمت يشيع في الأرجاء، وليست ثمّة حركة جلّية.. أبوابُ المحلات ونوافذها مواربةٌ عليَ سعتها مثل أفواه جائعة تحدّق بأسي لدنيا الله.
عليَ نحوٍ مباغت تٌمزّق أستار الصمت صرخةُ: هكذا تريد أن تعضّني أيها الكلب الملعون. هذا زمان ما عاد للكلاب حرّية عضّ الآخرين..آه !.. آه أوقفوه !.
يندلع نباحٌ متواصل.. تتوجّه أنظار "أتشوميلوف" ناحيةَ الصوت.. هناك كلبٌ برجلٍ عرجاء يفرٌّ هارباً من ناحية "مخزن أخشاب بنجوجن" ملاحَقاً مِن قبل رجلٍ ذي قميص أبيض يحاول الإمساك به فيتعثّر ساقطاً.. غير أنّه يفلح في القبض عليه من قائمتيه الخلفيّتين.. يعوي الكلبُ ومعه تستمرُ صيحاتُ الرجل.
وجوهُ بعيونٍ ناعسةٍ تطلُّ من نوافذ المحلات، تُطالع حشداً بشرياً التئم سريعاً كأنّه انبثقَ من ثنايا الأرض.
- أتعتقد أنّ من الضروري توجيه اللوم والتوبيخ لتجمّع ٍغير مسموح به كهذا ؟ .. يحاور أتشوميلوف شرطيَّهُ.
يستديرُ يساراً ويخطو باتجاه الحشد جوار الباب الرئيس لمخزن الأخشاب، يشاهد الرجلَ ذا القميص الأبيض يرفع يداً عارضاً علي العيون المُبحلِقة إصبعاً مُدمّيَ فيما وجهه يشي بتعابيرِ رجلٍ شبه مخمور : انتظر !.. سأجعلك تدفع الكثير مقابل هذا، أيها الشيطان .
وسرعان ما يتعرّف أتشوميلوف علي الرجل: إنّه "كريوكين"، مثلما يشاهد الكلب خالقَ الجلبةِ يرتجفُ وسط الحشد وقائمتاه الأماميتان ممدودتان..كلبٌ أبيض تُبقّع ظهرَه بقعةٌ صفراء، عيناه تمتلئان بتعابير الخشية والقلق.
- ما الخَطب؟ .. يروح أتشوميلوف يتساءل، صانعاً طريقاً له وسط الحشد. لماذا تقف هنا ؟ وما الذي جريَ لإصبعك ؟ ومن كان يصرخ ؟ .
- أنا.. لم أمَسَ أحداً.. ينطقُ "كريوكين" ثم يواصل كنت أتجول في غابة ديمتري ديمتريفتش، هناك عندما هاجمني هذا الكلب المتوحش وعضّ إصبعي.. ليس لديَّ يا سيدي غير هاتين اليدين أعمل بهما، وعضّةُ هذا الكلب ستوقفني عن العمل لفترةٍ لا تقل عن سبعة أيام، لهذا علي صاحبه أن يدفع لي تعويضاً، إ لا يوجد في القانون ما ينبغي تحمله من تبِعات مخاطر الحيوانات، لانّه لوتُرِك لكلِّ حيوان حريةَ العضّ والفتك بالآخرين فلن يبقَ أحدٌ عليَ قيدِ الحياة في هـذا العالم .
بصرامةٍ ظاهرة يرتفعُ حاجبا العريف أتشوميلوف ويهبطان:
- مَن هو صاحب هذا الكلب؟.. لن أسمح لمثلَ هكذا خروقات أن تحدث وتستمر. إنَّ عليَ الجميع أن لا يتركوا كلابَهم طليقةً كما تشاء، لقد ولّيَ الزمن الذي يُترك فيه مَنْ لا يُطيع القوانين سأعاقب مالكَ هذا الكلب، وسأعُلِّمه من أنا. يستدير إلي الشرطي المرافق:
- يا يلديرين، تحرَّ عمّن يكون صاحب هذا الكلب.. هذا الكلب يجب أن يُقتل.. افعل ذلك سريعاً، فقد يكون مسعوراً.. عليَ أي حال لمن هذا الكلب ؟
- يبدو أنّه كلبٌ الجنرال ييجالوف.. ينطُقُ أحدٌ من الحشد.
- للجنرال ييجالوف ؟ ها !.. يالديرين، اخلع معطفي !.. ما هذا الحر الشديد! من المحتمل أن تمطر هذا اليوم.. يوجد ثمة شيء لا أفهمه كيف عضّك هذا الكلب؟ يتوجه العريف أتشوميلوف إلي "كريوكين" متساءلاً: وكيف طال إصبعك،إنّه كلبٌ صغير بينما أنتَ رجلٌ كبير ؟.. ربّما فعلت ذلك بنفسك وادعيت جرحك من فعل هذا الكلب المسكين سعياً للحصول عليَ مال.. أعرفكم أيها الشياطين !!
- أطفأ السيجارة في وجه الكلب لكن الكلب ليس غبياً فعضّه، يا سيدي. يتفوه الشرطي يلديرين.
- تكَذٌب !.. ما شاهد مثل هذا، يا سيدي ما شاهد مطلقاً.. ولكنْ دعْ الحاكم يقررّ، القانون يؤكد بسواسية الجميع في هذا العهد، ولي أخٌ يعمل في قسم الشرطة فإنْ لم..
- توقف !
- كلاّ ! هذا ليس كلب الجنرال يقول الشرطي يلديرين مُظهراً اهتماماً، لا يملك الجنرال كلباً كهذا، هذا كلبٌ لا يمُت إلي كلابه بشيء .
- أمتأكد من ذلك ؟ يسأل العريف أتشوميلوف.
- نعم، كلّ التأكيد.
- وأنا متأكد أيضا.. كلابٌ الجنرال غالية الثمن، أما هذا الكلب فليس له شعر مقبول ولا شكل يُعتَد به لماذا يقتني الناس كلاباً قميئة.. لو كان في بطرسبورج أو موسكو مثل هذه الكلاب هل تخمن ما يحدث؟ لن يجهدوا أنفسهم في البحث في فقرات القانون للتخلّص منها، بل يصنعون لها نهاية سريعة.. يا "كريوكين" لا شكّ أنك تعاني من ألم الجرح لذلك سوف لا أترك الأمرَ يجري عادياً، سألقّن مالكي هذه الكلاب درساً.. ولكن يبتسم أتشوميلوف مفكِّراً ! أعتقد أنني شاهدتُ هذا الكلب في باحة الجنرال.
- طبعاً، إنه كلب الجنرال يأتي صوت من عمق الحشد.
- يا لديرين، ساعدني.. ألبسني معطفي وخذ الكلب إلي الجنرال تأكد إن كان له أم لا. قل وجدته في الطريق فأتيت به، قدم لهم رجاءً، ارجوهم أن لا يتركوا الكلب في الشارع، لأنه كلب ثمين وقد يرتكب أحدهم حماقة فيطفئ سيجارة في خطمه فيتسبب في إيذائه، الكلب مخلوق رقيق.. وأنت أيها الغبي.. اخفضْ يدك فلا ضرورة لعرض إصبعك السخيف، إنها حماقتك.
- ها هو طباخ الجنرال، دعونا نستفهم منه.. مرحباً بروخور تعال هنا للحظة، انظر هل هذا كلبكم ؟ !
- هذا !.. لم نقتن مثل هذه الكلاب في حياتنا أبداً.
- هذا كلب لا يستحق السؤال عنه.. يتمتم أتشوميلوف.. متشرد وينبغي قتله.
- كلا.. ليس لنا مطلقاً، بل هو عائد لأخ الجنرال الذي وصل إلي المدينة توّاً. سيدي لا يفضِّل هذه الأنواع، إنما أخوه من يرغبها.
- هكذا إذاً أخوه فلاديمير إيفانوفيتش وصل إلي هنا يتساءل أتشوميلوف بمحّياً مُشرق وأبتسامة تغمر وجهه: حسناً، حسناً، لم أكن أعرف ذلك. إذاً هو في زيارة لمدينتنا!
- نعم، يا سيدي في زيارة.
- حسناً، حسناً وهذا هو كلبه، أنا مسرور جداً خذه! يالهُ من كلب صغير وبارع، سريعاً أمسك بإصبع هذا الرجل ها.. ها.. ها، لماذا ترتجف أيها الكلب الصغير.. لم تفعل شيئاً يستحق الخوف، وهذا الرجل وغدٌ وشرير..
ينادي "بروخور" علي الكــلب ويذهب به بينما يوجه أتشوميلوف تهديداتــــه إلي "كريوكين". يحكم شدّ معطفه عليَ جسده ثم يتخذ طريقه إلي داخل السوق يتبعه الشرطي يلدرين حاملاً الفاكهة المصادرة..


أنطون بافلوفيتش تشيخوف
ترجمة: زيد الشهيد
وكل ما لم يذكر مترجمه فقد كان : أبو بكر يوسف
رد مع اقتباس
  #14  
قديم Nov, 10 2006, 23:48
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
المستكينة

استدعيت في أحد الأيام مربية أطفالي ، يوليا فاسيليفيا ، إلى غرفة المكتبة لتصفية بعض الأمور.
فقلت لها(اجلسي يايوليا فاسيليفيا)) دعينا نصفي امورنا. أنت بحاجة إلى المال ، دون شك ، ولكنك تحبين الرسميات بحيث أنك لم تطلبي أبدا أجرتك .. حسنا الآن .. لقد كنا قد اتفقنا على إعطائك ثلاثين روبلا في الشهر.

((بل أربعون)).

كلا،ثلاثون . فقد دونت ذلك .فقد كنت دائما أعطي المربيات ثلاثين روبلا.
حسنا،الآن،لقد مضى على قدومك هنا مدة شهرين.

بل شهران وخمسة أيام.
شهران بالتمام والكمال.هذا مادونته ،وهذا يعني أنك ستستلمين ستين روبلا.
اخصمي منها أجرة تسعة أيام أحد ، حيث أنك لم تعطي دروسا لكوليا أيام الآحاد،إذ أنك ذهبت في نزهة على الأقدام،وثلاثة أيام ذهبت فيها إلى الكنيسة أيام العطل.
إحمر وجه يوليا فاسيليفيا وبدأت تتململ وتعبث بطرف ثوبها بعصبية ، ولكن دون أن تتفوه بكلمة.
ثلاثة أيام عطلا..وبالتالي يخصم مبلغ اثني عشر روبلا . وقد مرضت كوليا مدة أربعة أيام ولم تأخذ أي درس. وأعطيت دروسا لفاريا فقط. ثم أصبت بألم في أسنانك لمدة ثلاثة أيام وقد سمحت لك زوجتي بالاستراحة بعد العشاء. فلو جمعنا اثني عشر روبلا وسبع روبلات ، فيكون المجموع تسعة عشر روبلا. وبذلك يبقى لك مبلغ ..واحد وأربعون روبلا ، صحيح؟)).
احمرت عين يوليا فاسيليفيا اليسرى واغرورقت بالدموع ، وارتجفت ذقنها، ثم سعلت بشكل عصبي ونظفت أنفها ولكن لم تتفوه بكلمة.
في عيد رأس السنة كسرت طبقا وفنجان شاي.هذا يعني خصم روبلين، مع أن الفنجان يساوي أكثر حيث إننا ورثناه ، ولكن ..لابأس.ثم وبسبب قلة اهتمامك ،تسلقت كوليا شجرة ومزقت معطفها،وهذا يعني خصم عشرة روبلات،ثم إن الخادمة،وبسبب إهمالك أيضا، سرقت حذاء فاريا.وكان من المفروض أن تراقبي كل شيء ، فأنت تتقاضين راتبا،وهذا يعني خصم خمسة روبلات أخرى. وفي العاشر من شهر يناير ، اقترضت مبلغ عشرة روبلات مني
....................
فقالت يوليا بهمس(( لم أقترض )).
(( ولكنه مدون عندي هنا )).
(( حسنا..لايهم..)).
فلو طرحنا سبعة وعشرين روبلا من واحد وأربعين روبلا لأصبح الباقي أربعة عشر روبلا.
غمرت الدموع عيني يوليا وتصبب العرق من أنفها الجميل، مسكينة هذه الفتاة.ثم قالت في صوت مرتجف( لقد اقترضت مرة واحدة فقط ، اقترضت ثلاثة روبلات من زوجتك..ولم أقترض بعد ذلك...)).
حسنا..حسنا ، ولم أدون ذلك فلو طرحنا ثلاثة روبلات من أربعة عشر روبلا لأصبح الباقي أحد عشر روبلا.هاك فلوسك ياعزيزتي. ثلاثة..ثلاثة..ثلاثة..واحدا ً واحدا ً ..إنها كلهــا لك.
ثم ناولتها الفلوس فأخذتها ودستها في جيبها بيد مرتجفة.
همست قائلة ((شكرا ً)).
فقفزتُ واقفا ً وبدأت أدور حول الغرفة وقد تملكني الغضب.
سألتها قائلا ً ( على ماذا تشكرينني؟ )).
على الفلوس..
ولكني خدعتك، اللعنة.لقد سلبتك،لقد سرقتك فعلى ماذا تشكرينني؟
لم يدفع الذين عملت عندهم من قبل لي أي مبلغ إطلاقا ً..
ألم يدفعوا لك أي شيء؟ أنا لا أستغرب ذلك لقد كنت أمزح معك. لقد لقنتك درسا ً قاسيا ً ، سوف أدفع لك مبلغ ثمانين روبلا بالكامل.فهاهي فلوسك حيث إنني جهزتها لك في مغلف ولكن كيف يكون أي شخص بمثل هذه الاستكانة؟ لماذا لم تحتجي؟ لماذا لم تقولي شيئا؟ هل تعتقدين أنك تستطيعين أن تتعاملي مع الناس في هذه الدنيا دون أن تكشري عن أنيابك؟هل من الممكن أن يكون الإنسان بمثل هذه الاستكانة؟
ابتسمت المربية ابتسامة باهتة واستطعت أن أقرأ على وجهها (من الممكن)) ثم سألتها أن تصفح عني بسبب الدرس القاسي. وقد أصيبت بالدهشة لدى إعطائي لها كل مستحقاتها. فشكرتني باستكانة ثم خرجت من الغرفة فتابعتها بنظراتي ثم فكرت (( هل من السهولة أن يكون الإنسان قوياً في هذا العالم؟))


أنطون بافلوفيتش تشيخوف
ترجمة عيسى طاهر عبده
رد مع اقتباس
  #15  
قديم Nov, 10 2006, 23:54
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
بطاقة الياناصيب

السيد إيفان ديمتريش يجلس إلى طاولة الطعام يتناول عشاءه بعد يوم عمل شاق، وبعد أن يفرغ منه وقبل أن يهم بقراءة الصحيفة، كعادته وعادة كل الأزواج تقريبا، كل يوم تذكره أم العيال السيدة الفاضلة ماشا، التي تشاركه شظف العيش، تذكره أن اليوم هو إعلان نتيجة اليانصيب الأخير الذي اشترت ماشا واحدة من بطاقاته .العزيز إيفان رجل جاد لا يؤمن بالحظ، وبالأحرى يرى أن الحظ ليس من نصيبه وإلا لماذا حاله هكذا؟ غير أن الرجل، على ضيق حاله قنوع راض بدخله المتواضع. إيفان يسأل، في غير اكتراث واضح، زوجته عن رقم البطاقة ويبدأ في التفتيش عن الرقم الفائز المنشور في الصحيفة التي بين يديه. تناوله ماشا البطاقة فيقرأ الرقم بطرف عين، وقد رأى أن الرقم الفائز هو رقم بطاقة ماشا. وفي لحظات تتغير نفسية الرجل ويغوص فجأة في أحلامه وينسى نفسه.. كيف سينفق هذه الثروة التي هبطت عليه.. يغير البيت؟ طبعا. وكل الأثاث؟ بالتأكيد. ويسدد الديون المتراكمة عليه؟ لا بأس. ولكن الباقي ما مصيره؟ في البنك يا عزيزي ليضمن عائدا يتلاءم مع متطلبات المرحلة الجدية التي ولجها.
فجأة يتحول العزيز ديمتريش من رجل قانع إلى شخص طامع لديه نهم إلى الإسراف والتبذير، فهذه الورقة التي بين يديه ستنقله من عالم إلى عالم آخر، ليس هو وحده وإنما معه الأولاد وأم الأولاد الحصيفة التي اشترت البطاقة. يتوقف إيفان ديمتريش عن الاسترسال في أحلامه برهة وينظر إلى ماشا ليخبرها أنه سيسافر إلى خارج البلاد في رحلة سياحية. العزيزة ماشا يبدو أن أحلامها هي الأخرى كانت اختمرت في مؤخرة جمجمتها، حيث تبادره قائلة .. أنا أيضا أود السفر إلى الخارج، على طريقة "رجلي على رجلك" المعروفة بين الزوجات.
للكلام وقع صاعقة على الرجل الذي كان، حتى لحظات قليلة، وقورا. لم يكن يتخيل أن تطلب أم العيال السفر للخارج، ويتساءل- في نفسه طبعا- ماذا تريد ماشا؟ أتريد ملازمتي فلا أسافر وحيدا واستمتع بسفرتي حتى النهاية؟ وفي ثواني معدودات تتحول صورة المرأة التي رافقته رحلة الحياة إلى شبح مزعج؛ عجوز لا تعرف إلا الشكوى، ولا تشم منها إلا رائحة المطبخ؛ في جسدها وفي ملابسها. لم يعد فيها شيء يجذبه إليها. أما هو فمازال شابا وسيما- هكذا تخيل- ولا يخلو من جاذبية، فلماذا لا يتزوج من أخرى؟ نعم لماذا لا يتزوج من أخرى؟


أنطون بافلوفيتش تشيخوف
ترجمة: غير معروف
رد مع اقتباس
  #16  
قديم Nov, 11 2006, 00:01
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
بعد المسرح

ما إن عادت نادية زيلينيا مع والدتها من المسرح، حيث شاهدتا "يفجيني أنيجين" * ودخلت غرفتها، حتى نزعت فستانها بسرعة وحلت ضفيرتها، وأسرعت بالجونلة والبلوزة البيضاء فقط فجلست إلى الطاولة لتكتب خطابا كالذي كتبته تاتيانا.
وخطت : "إنني أحبك، ولكنك لا تحبني، لا تحبني". كتبت هذا وضحكت .
كان عمرها ستة عشر عاما فقط، ولم تحب أحدا بعد . وكانت تعلم أن الضابط جورني والطالب جزوديف يحبانها، ولكنها شعرت الآن بعد الأوبرا برغبة في التشكك في ذلك الحب . أن تكون غير محبوبة وتعيسة .. ما أروع ذلك ! ثمة شيء ما، حين يحب الشخص بقوة ولا يكترث به الآخر، شيء جميل، ومؤثر وشاعري .

أنيجين ممتع لأنه لا يحب مطلقا أما تاتيانا فهي خلابة لأنها تحب بقوة، ولو أنهما أحبا بعضهما البعض بنفس الدرجة وكانا سعيدين لأصبحا علي الأرجح مملين . " كف عن التأكيد بأنك تحبني ـ واصلت نادية الكتابة وهي تفكر في الضابط جورني ـ فأنا لا استطيع أن أصدقك، أنت ذكي جدا مثقف جاد ولديك موهبة كبيرة وربما كان في انتظارك مستقبل باهر، أما أنا فلا شيء يميزني فتاة لا وزن لها وأنت نفسك تعرف جيدا أنني لن أكون سوي عقبة في حياتك حقا. أنت همت بي وظننت أنك في شخصي عثرت على المثال الذي تبحث عنه، لكنها كانت غلطة والآن تسأل نفسك بيأس : ما الذي جعلني ألتقي بهذه الفتاة ؟ وطيبة قلبك فقط هي التي تمنعك من الاعتراف بذلك !..." .
أحست نادية بالإشفاق على نفسها، فبكت ومضت تكتب : " صعب علي فراق ماما وأخي، وإلا كنت ارتديت مسوح الراهبات ومضيت أينما يمتد بي النصر .. ولأصبحت أنت حرا وأحببت فتاة غيري . آه لو كنت أموت ".


من خلال الدموع استحال تبين الكلمات المكتوبة، وتراقصت ألوان طيف قصيرة فوق الطاولة، وعلى أرضية الغرفة وعلى السقف كما لو أن نادية كانت تنظر عبر منشور، وتعذرت الكتابة فتراجعت إلى ظهر المقعد وأخذت تفكر في جورني . يا إلهي، أي سحر في الرجال، وأية جاذبية ! تذكرت نادية ذلك التعبير الرائع، المتزلف والمذنب والناعم الذي يرتسم على وجه الضابط عندما يجادلونه في الموسيقى، وأية جهود يبذلها أثناء ذلك لكيلا يرن صوته بحماسة . ففي المجتمع الذي يعتبر فيه الترفع البارد واللامبالاة دلالة على حسن التربية والأخلاق الفاضلة لابد أن تداري حماستك وهو يداريها . لكنه لا يوفق في ذلك، فالجميع يعرفون جيدا أنه يهوى الموسيقي بشغف. إن المناقشات التي لا تنتهي عن الموسيقى والأحكام الجريئة لغير الفاهمين من الناس . تجعلانه في توتر دائم فهو مفزع خجول وصموت وهو يعزف على البيانو بصورة رائعة مثل أي عازف أصيل ولو لم يكن ضابطا لكان في الغالب موسيقيا مشهورا.

وجفت دموعها، وتذكرت نادية أن جورني قد صارحها بحبه في حفل سيمفوني، ثم بعد ذلك في الطابق الأرضي بجوار المشاجب حيث هبت تيارات الهواء من جميع النواحي .
"أنا سعيدة جدا لأنك أخيرا تعرفت على الطالب جروزديف – مضت تكتب- إنه إنسان ذكي جدا ولعلك ستعجب به . كان عندنا بالأمس ومكث حتى الساعة الثانية وقد انبهرنا به جميعا وتأسفت أنك لم تأت لقد حدثنا بالكثير من الأشياء الرائعة ".
عقدت نادية يديها فوق الطاولة وأسندت إليهما رأسها فسقط شعرها وغطى الخطاب . وتذكرت أن الطالب جروزديف أيضا يحبها وأن له الحق في رسالة منها مثلما لجورني تماما.
وبالفعل أليس من الأفضل أن تكتب إلي جروزديف ؟ وبلا أية أسباب دبت البهجة في صدرها .. بدأت بهجة صغيرة تواثبت في صدرها مثل كرة من المطاط، ثم صارت أعرض وأكبر وتدفقت كالموجة .

ونسيت نادية جورني وجروزديف واختلطت أفكارها، بينما أخذت البهجة تكبر وتكبر وتنساب من صدرها إلى ذراعيها وساقيها وخيل إليها كأن نسمة رقيقة باردة هفت على رأسها فحركت شعرها . واهتزت كتفاها من الضحك الخافت . واهتزت الطاولة وزجاجة المصباح وطفر الدمع من عينها إلى الخطاب، لم يكن بوسعها ان توقف ذلك الضحك ولكي تظهر لنفسها أنها لا تضحك بدون سبب أسرعت تتذكر شيئا ما مضحكا.
- يا له من مضحك ذلك الكلب البودل !
تمتمت وقد شعرت أنها ستختنق من الضحك .
– يا له من مضحك ذلك البودل.
تذكرت كيف لاعب جروزديف، بعد شرب الشاي بالأمس، الكلب البودل مكسيم، ثم حكي لها عن بودل ذكي جدا لاحق في الفناء غرابا، فالتفت الغراب نحوه وقال :
- أنت يا أفاق !
ولم يكن الكلب يدري أن أمامه غرابا مدربا فارتبك بشدة وتراجع في حيرة ثم عاد ينبح .
- كلا، الأفضل أن أحب جروزديف
قررت نادية ومزقت الرسالة، وراحت تفكر في الطالب، في حبه وفي حبها، لكن الذي حدث أن الأفكار ساحت في رأسها فأصبحت تفكر في كل شيء : في أمها في الشارع في القلم في البيانو .

فكرت ببهجة فوجدت أن كل شيء حسن، رائع . وأوحت إليها البهجة بأن هذا ليس كل شيء بعد . وأنه عما قريب ستكون الأمور أروع . قريبا يحل الربيع، الصيف، السفر مع والدتها إلى "جوربيكي"، سيأتي جورني في فترة إجازته وسيتحول معها في الحديقة ويحيطها باهتمامه .
وسيجئ جروزديف أيضا ويلعب معها الكروكيت والكجل ويقص عليها أشياء مضحكة أومدهشة وانتابتها رغبة جارفة في أن تجد نفسها في الحديقة في العتمة تحت السماء الصافية والنجوم . واهتزت كتفاها ثانية من الضحك، وخيل إليها أن الغرفة تعبق برائحة الشيح، وأن غصنا قد احتك بالنافذة.
مشت نحو فراشها وجلست، ودون أن تدري ماذا تفعل ببهجتها التي أضنتها، نظرت إلى الأيقونة المعلقة فوق ظهر سريرها وتمتمت :
- يا إلهي ! إلهي ! يا إلهي ! .


أنطون بافلوفيتش تشيخوف
رد مع اقتباس
  #17  
قديم Nov, 11 2006, 00:09
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
زوجة الأب

على كرسى كبير ذى مساند يعود إلى الأسلاف، جلست سيدة عجوز صغيرة الجسم. وجهها مجعد ذو لونٍ اصفر - رمادى وكأنه ليمونة معصورة. كانت تنظر إلى جانب واحد، بكآبة وارتياب، متململة فى كرسيها دون استقرار، وبين الحين والآخر ترفع إلى انفها الدقيق الشبيه بالمنقار، قنينة صغيرة تحوى أملاحاً ذات رائحة (سعوط)، وكانت تشعر بأنها متعكرة المزاج. والى جانبها وقف شاب بمظهر جذاب، اسمحوا لى أن أقدمه لكم: انه شاعر، وابن زوج السيدة العجوز الصغيرة الجسم، وكان يدور بين زوجة الأب وابن الزوج، الحديث التالي:
قال الشاعر: جئت إليك بعملٍ يا أمى .. لقد كتبت رواية، ولقد أمرتنى أن أقرأ لك كل ما اكتبه. اسمحى لي، ها هى الرواية الآن....
- حسناً، سوف نقرأها.... ولكن لماذا يبدو عليك الحزن ؟ هل يعنى ذلك انك مستاء من تدخلى فى عملك ؟ هل تمانع ؟ هل أنت من ذلك النوع من الأشخاص ؟...
- ولكن، أنا مسرور يا أمي! كيف تأتى لك أن تقولى هذا ؟. لم أفكر حتي.... اخذ الشاعر نفساً عميقاً، اغمض عينيه قليلاً وبذل جهده لإظهار ابتسامة.ثم أردف: أنا مسرور جداً.... أرجو أن تحسنى إلي.... ينبغى لنا - نحن الكتـاب - أن نكون تحت رقابة ما......
- هكذا إذاً،.... هيا.. اقرأ لى ما كتبته، سأستمع لك.
بدأ الشاعر يقلب أوراقه ببطء. سعل مرتبكاً، وبدأ يقرأ:
كان صباح يوم من أيام شهر آيار الرائعة، وكان بطلى مستلقياً على الشاطئ، ينظر إلى الأمواج الهادرة، وهو يتأمل.... .
قاطعته زوجة أبيه: قف. قف.. اشطب كلمة "يتأمل".
- ولكن لماذا ؟
- الله يعلم ماذا كان يتأمل بطلك ! ربما كان شيئاً ما يمكن....
- ولكن سأوضح لك فيما بعد، يا أمي.
- يمكن للمرء أن يستنتج الكثير من الأشياء، قبل أن تكون قد وصلت إلى إيضاحاتك.... اشطبها.
شطب الشاعر كلمة "يتأمل"، واستمر يقرأ:
وبجانبه، على الرمل، كان يضع صندوق أصباغ وقطعة قنب تمتد على إطار....
- قف. قف.... كيف يمكنك أن تكتب مثل هذا ؟ اشطب كلمة "قنب"...
- ولكن لماذا، يا أمي؟
- ألا تدل تلك الكلمة على "التصّيد" ؟ ألا يمكن أن يكون فى معنى الكلمة تلميح إلى اضطرابات فى سكك الحديد، وان تلك الاضطرابات ترتبط مباشرة بـ .....
استبدل الشاعر كلمة "القنب" بـ "قطعة قماش" واستأنف القراءة:
كان مرافقه فلاح شاب يقف على حافة الشاطئ....
- أعدها. طوحت العجوز بيديها فى الهواء، وأدخلت أرنبة انفها فى قنينة أملاح الشم. أعدها... من اجل ماذا تريد فلاحاً هنا ؟ لماذا ؟ كيف دخل فى الموضوع ؟ استبدله بشيء آخر....
- سوف استبدله بـ "ولد صغير".
- ينبغى أن لا تفعل ذلك... إذا كان الولد الصغير يقف صباحاً على شاطئ البحر، فهذا يعنى انه ليس فى المدرسة، وهو تلميح بوجود نقصٍ فى المدارس.
مسح الشاعر حاجبه، تنهد بعمق، وواصل القراءة.
ولكن كلما توغلنا فى الغابة، كلما كانت هناك أشجار كثيفة، يتوجب قطعها. بدأت مخطوطة الشاعر تدريجياً تتغطى بخطوط سوداء، وبشطب، ونقاط، وفقدت باضطراد لونها الأبيض، وتبدلت إلى اللون الأسود. جميع الكلمات تم شطبها، عدا بعض علامات التعجب، والأرقام والقليل من ظروف الزمان والمكان. كانت العجوز تقف بالضد من علامات التعجب، لان مثل هذه العلامات، ربما كان القصد منها، زواجاً غير شرعى أو غير قانوني، يؤدى إلى اختلاط الطبقات الاجتماعية. وهى ترفض ضمائر الشخص الثالث، ذلك لان كلمة "هو" للعـاقل و"هو" أو "هي" لغير العاقل، قد تعنى أى شخص أو أى شئ: رينان، لزال، موسكو تلغراف، أو شيدرين ...وهى لم ولن تسمح له بأن يستعمل "الفوارز" لأنها - حسب ظنها - تلمح إلى ....
قالت العجوز: لماذا تركت هوامش فى مخطوطتك ؟ المسافة الفارغة تعني، أن لا حصاد. اقتطعها بالمقص!.
استطاع الشاعر بطريقة ما أن يصل إلى نهاية روايته:
أعلن الشخص المسؤول، قرار المحلفين بصوتٍ مرتعش: كلا انهم ليسوا مذنبين. صفق الحاضرون للقرار. .
انتفضت السيدة العجوز واقفة على قدميها، وقد امتلأت عيناها بالرعب، ومال غطاء رأسها جانباً، لتظهر ضفيرتها التى لا ترى فى العادة.
- هل جننت ؟... هل تبرئ السفلة ؟
- لكننى افعل الشيء الصحيح! انهم ليسوا مذنبين، يا أمي.
- ليسوا مذنبين ؟ هل فقدت عقلك ؟!. مجرد كونهم لم يصغوا لأسيادهم، وكانوا وقحين، وقليلى الأدب مع مساعد المدعى العام، وسمحوا لأنفسهم بأن يتحذلقوا أمام المحكمة، ينبغى أن يجلدوا بالسياط. ألا تعلم بان التبرئة تفسد أخلاق المرء؟ وتتلف الناس!. تريد أن تقول إن الجرائم يمكن أن تمر دون عقاب! ابدلها، من فضلك!
شطب الشاعر كلا، انهم ليسوا مذنبين وكتب:
فاسيلى كلنسكي، يعاقب بالعبودية فى المناجم، لمدة غير محددة، وتعاقب زوجته، ماريا، بالعبودية فى المعامل لمدة أربعة عشر عاماً.... .
السيدة العجوز منعته من شطب صفق الحاضرون للقرار .
- الآن، أخذت روايتك شكلها الصحيح. - قالت زوجة الأب - يمكنك السماح لأى شخص بأن يقرأها.
قَبل الشاعر يد السيدة العجوز، البارزة العظام، ورحل.


أنطون بافلوفيتش تشيخوف
ترجمة: غير معروف
رد مع اقتباس
  #18  
قديم Nov, 11 2006, 00:15
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
فانكا

في ليلة عيد الميلاد لم ينم الصبي " فانكا جوكوف" ابن الأعوام التسعة والذي أعطوه منذ ثلاثة أشهر ‏للاسكافي "الياخين" ليعمل صبياً لديه. وانتظر حتى انصرف أصحاب البيت والاسطوات إلي الصلاة ‏فاخرج من صوان الاسكافي محبرة وقلماً بسن مصدي، وفرش أمامه ورقة مجعدة وراح يكتب. وقبل أن ‏يخط أول حرف نظر إلي الباب والنوافذ بحذر، وتطلع بطرف عينه إلي الأيقونة الداكنة التي امتدت على ‏جانبيها أرفف محملة بالنعال، وزفر زفيراً متقطعاً. كانت الورقة مبسوطة علي الأريكة، أما هو فقد جثا ‏علي ركبتيه أمامها. وكتب:
‏" جدي العزيز " قسطنطين مكاريتش" ! أنا اكتب إليك خطاباً. أهنئكم بعيد الميلاد وأرجو لك من الله كل ‏الخير. أنا ليس لدي أب أو أم، ولم يبق لي غيرك وحدك".‏

وحول " فانكا" بصره إلي النافذة المظلمة التي عكست ضوء شمعته المتذبذب، وتخيل بوضوح جده " ‏قسطنطين مكاريتش" الذي يعمل حارساً ليلياً لدي السادة لدي " آل جيفارف ". و هو عجوز صغير نحيل ‏إلا انه خفيف الحركة بصورة غير عادية، في حوالي الخامسة والستين، ذو وجه باسم دائماً وعينين ثملتين. ‏كان نهاراً ينام في مطبخ الخدم أو يثرثر مع الطاهيات، أما في الليل فيطوف حول بيت السادة متدثراً ‏بمعطف فضفاض من جلد الحمل ويدق علي صفيحة. ومن خلفه يسير مطأطأ الرأسين مع الكلبة العجوز ‏‏"كاشتانكا" والكلب "فيون" الذي سمي هكذا للونه الأسود وجسده الطويل كالنمس.‏

كان هذا الـ " فيون " مهذباً ورقيقاً بصورة غير عادية، وكان ينظر بنفس الدرجة من التأثر سواء ‏لأصحابه أم للغرباء، ولكنه لم يكن يحظى بالثقة. كان يخفي تحت تهذيبه واستكانته خبثاً غادراً إلي أقصي ‏حد. فلم يكن هناك من هو أحسن منه في التلصص في الوقت المناسب ليعض الساق، أو التسلل إلي ‏المخزن، أو سرقة دجاجة من بيت فلاح. وقد حطموا له ساقيه الخلفيتين غير مرة، وعلقوه مرتين، وكانوا ‏يضربونه كل أسبوع حتى الموت، ولكنه كان يبعث من جديد.‏

وربما يقف الجد الآن أمام البوابة ويزر عينيه وهو يتطلع إلي نوافذ كنيسة القرية الساطعة الحمرة، ويثرثر ‏مع الخدم وهو يدق الأرض بحذائه اللباد. والصفيحة التي يدق عليها معلقة إلي خصره،. ويشيح بيديه ثم ‏يتململ من البرد، ويضحك ضحكة عجوز ويقرص الخادم تارة والطاهية تارة أخري.‏

ويقول وهو يقدم للفلاحات كيس تبغه:
‏- ألا ترغبن في استنشاق التبغ؟
وتستنشق الفلاحات ويعطسن، ويستولي علي الجد إعجاب لا يوصف ويقهقه بمرح ويصيح:
‏- بقوة و إلا لزقت!
ويقدمون التبغ للكلاب لتشمه. وتعطس "كاشتانكا" و تلوي بوزها، وتبتعد مغضبة. أما " فيون" فلا يعطس ‏تأدبا، بل يهز ذيله. والجو رائع. الهواء هادئ، وشفاف ومنعش.‏

والليل حالك ومع ذلك تلوح القرية كلها بأسقف منازلها البيضاء وأعمدة الدخان المنبعثة من المداخن، ‏والأشجار وقد كساها الثلج ثوباً فضياً، وأكوام الثلج. والسماء كلها مرصعة بنجوم تتراقص بمرح، ويبدو ‏درب التبانة واضحاً وكأنما غسلوه قبل العيد ودعكوه بالثلج.. وتنهد " فانكا" ، وغمس الريشة في الحبر ‏ومضي يكتب:
‏" بالأمس ضربوني علقة، شدني المعلم من شعري إلي الحوش وضربني بقالب الأحذية لأني كنت أهز ابنه ‏في المهد فنعست غصباً عني. وفي هذا الأسبوع أمرتني المعلمة أن أقشر فسيخة، فبدأت أقشرها من ذيلها، ‏فشدت مني الفسيخة وأخذت تحك رأسها في وجهي. والاسطوات يسخرون مني ويرسلونني إلي الخمارة ‏لشراء "الفودكا" ويأمرونني أن اسرق الخيار من بيت المعلم، والمعلم يضربني بكل ما يقع في يده. وليس ‏هناك أي طعام، في الصباح يعطونني خبزاً، وفي الغداء عصيدة، وفي المساء أيضا خبزاً، أما الشاي أو ‏الحساء فالسادة وحدهم يشربونه. ويأمرونني أن أنام في المدخل، وعندما يبكي ابنهم لا أنام أبداً وأهز المهد. ‏يا جدي العزيز، اعمل معروفاً لله وخذني من هنا إلي البيت في القرية. لم اعد احتمل أبداً... أتوسل إليك ‏وسوف اصلي لله دائماً، خذني من هنا و إلا سأموت..‏

وقلص " فانكا" شفتيه ومسح عينيه بقبضته السوداء وأجهش بالبكاء. ومضي يكتب: " سأطحن لك التبغ، ‏واصلي لله، وإذا بدر مني شيء اضربني كما يُضرب الكلب. وإذا كنت تظن أنه ليس لي عمل فسأرجو ‏الخولي بحق المسيح أن يأخذني ولو لتنظيف حذائه، أو أعمل راعياً بدلاً من " فيدكا" . يا جدي العزيز، لم ‏اعد احتمل أبداً، لا شيء سوي الموت. أردت أن اهرب إلي القرية ماشياً ولكن ليس لدي حذاء واخشي ‏الصقيع، وعندما أصبح كبيراً فسوف أطعمك مقابل هذا ولن اسمح لأحد أن يمسك، وإذا مت يا جدي ‏فسأصلي من أجل روحك كما أصلي من أجل أمي " بيلاجيا". وموسكو مدينة كبيرة.. والبيوت كلها بيوت ‏أكابر، والخيول كثيرة، وليس هناك غنم، والكلاب ليست شريرة. والأولاد في العيد لا يطوفون بالبيوت ‏منشدين ولا يسمح لأحد بالذهاب للترتيل في الكنيسة. ومرة رأيت في أحد الدكاكين، في الشباك، صنانير ‏تباع بخيوطها لصيد كل أنواع السمك، عظيمة جداً، بل وتوجد صنارة تتحمل قرموطاً وزنه "بوذ". ورأيت ‏دكاكين فيها مختلف أنواع البنادق التي تشبه بنادق السادة، ويمكن الواحدة منها تساوي مائة روبل.. وفي ‏دكاكين اللحوم يوجد دجاج الغابة وأرانب، ولكن الباعة لا يقولون أين يصطادونها.‏ يا جدي العزيز، عندما يقيم السادة شجرة عيد الميلاد خذ لي جوزة مذهبة وخبئها في الصندوق. قل للآنسة ‏‏" أولجا اجناتيفنا" أنها من أجل "فانكا".‏

وتنهد " فانكا" وسمر عينيه في النافذة من جديد. وتذكر أن جده كان دائماً يذهب للغابة لإحضار شجرة عيد ‏الميلاد ويصحب معه حفيده. يا له من عهد سعيد! كان الجد يتنحنح والثلج يتنحنح و"فانكا" يتنحنح مثلهم. ‏وكان يحدث أن الجد، قبل أن يقطع الشجرة، يجلس ليدخن الغليون، ويشم التبغ طويلاً وهو يضحك من ‏‏"فانكا" المقرور.. وشجيرات عيد الميلاد الشابة تقف متلفعة بالثلج وساكنة وهي تنتظر أيها التي ستموت؟ ‏وفجأة يمرق أرنب كالسهم عبر أكوام الثلج.. ولا يستطيع الجد أن يمسك نفسه عن الصياح:
‏- امسك، امسك.. امسك!
آه، يا شيطان يا ملعون، ثم يسحب الجد الشجرة المقطوعة إلي منزل السادة، حيث يشرعون في تزيينها.. ‏وكانت الآنسة "اولجا اجتاتيفنا" التي يحبها "فانكا"، هي التي تشغله أكثر من الجميع، وعندما كانت أم ‏‏"فانكا" "بيلاجيا" علي قيد الحياة كانت تعمل خادمة لدي السادة، كانت " اولجا اجتناتيفنا" تعطي " لفانكا " ‏الحلوى، ولما لم يكن لديها ما تعمله فقد علمته القراءة والكتابة والعد حتى مئة، بل وحتى رقصة ‏‏"الكادريل"، ولما ماتت" بيلاجيا"، أرسلوا "فانكا" اليتيم إلي جده في المطبخ مع الخدم، ومن المطبخ إلي ‏موسكو عند الاسكافي "الياخين"...
ومضي فانكا يكتب: " احضر يا جدي العزيز، استحلفك بالمسيح الرب أن تأخذني من هنا. أشفق علي أنا ‏اليتيم المسكين، لان الجميع يضربونني، وأنا جوعان جداً، ولا أستطيع أن أصف لك وحشتي، وابكي طول ‏الوقت. ومن مدة ضربني المعلم بالنعل علي رأسي حتى وقعت ولم أفق إلا بالعافية. ما أضيع حياتي، أسوأ ‏من حياة أي كلب.. تحياتي " لاليونا و "يجوركا الأحول" ، والحوذي، ولا تعط "الهارمونيكا" لأحد. حفيدك ‏دائماً " ايفان جوكوف"، احضر يا جدي العزيز".
وطوي " فانكا" الورقة المكتوبة أربع مرات ووضعها في مظروف كان قد اشتراه من قبل " بكوبيك".. ‏وفكر قليلاً ثم غمس الريشة وكتب العنوان:
إلي قرية جدي
وحك رأسه وفكر، ثم أضاف " قسطنطين مكاريتش". وارتدي غطاء الرأس وهو سعيد لأن أحداً لم يعطله ‏عن الكتابة، ولم يضع المعطف علي كتفيه، بل انطلق إلي الخارج بالقميص فقط...
كان الباعة في دكان الجزار الذين سألهم من قبل قد اخبروه أن الرسائل تلقي في صناديق البريد، ومن ‏الصناديق تنقل إلي جميع أنحاء الأرض علي عربات بريد بحوذية سكاري وأجرس رنانة.
وركض " فانكا" إلي أول صندوق بريد صادفه، ودس الرسالة الغالية في فتحة الصندوق.
وبعد ساعة كان يغط في نوم عميق وقد هدهدت الآمال الحلوة روحه.. وحلم بالفرن. كان جده جالساً علي ‏الفرن مدلياً ساقيه العريانتين وهو يقرأ الرسالة للطاهيات.. وبجوار الفرن يسير " فيون " ويهز ذيله...



أنطون بافلوفيتش تشيخوف 1886
رد مع اقتباس
  #19  
قديم Nov, 11 2006, 00:20
Kliopatra
أريد أن أموت شوقاً ولا أحيا أملاً
فتاة - ما قبل الجامعة - بعد التخرج
 
تاريخ الانتساب: May, 15 2005
المكان: ضايعة
العمر: 22
المشاركات: 2,003
التشكرات: 664
مشكور 2,069 من المرات في 662 من المشاركات
النشرات: 13
Images: 1
فولوديا الكبير وفولوديا الصغير (1)

- أريد أن أقود بنفسي، أرجوك اسمح لي، سأجلس بقرب الحوذي - قالت صوفيا لفوفنا بصوت عالٍ.‏
- انتظر لحظة أيها الحوذي، سأجلس بجانبك في المقعد.‏
كانت تقف في العربة، بينما كان زوجها فلاديمير نيكيتش، وصديق طفولتها فلاديمير ميخايليتش يمسكان بها من ذراعيها كي لا تقع. انطلقت الترويكا(1) مسرعة.‏
- قلت لك ألا تعطيها الكونياك.‏
همس فلاديمير نيكيتش لرفيقه بانزعاج.‏
كان الكولونيل يعرف من تجربة سابقة أن حالة الابتهاج الصاخب أو بالأحرى الثمل بالنسبة لامرأة مثل زوجته صوفيا لفوفنا عادة ما يعقبها ضحك هستيري ومن ثم بكاء. وقد كان قلقاً