| |||||||
| استشارات الرازي | مقابلة مع منارة المنتدى ... !!! |
| عرض نتائج الاستفتاء: في الحقيقة, هذا الموضوع ......... | |||
| أعجبني وسأنتظر تكملته بفارغ الصبر, وأقرأ كل ما يورد. | | 5 | 41.67% |
| يعنيني وقد استحاذ على اهتمامي. | | 5 | 41.67% |
| لا بأس به, قد أطل عليكم فترةً إثر أخرى. | | 2 | 16.67% |
| " ~ ما هذه التفاهة ؟ ~ " | | 0 | 0% |
| أنا هنا بالغلط .. ولتوي أردت الخروج .. السلام عليكم | | 0 | 0% |
| المصوتون: 12. ربما لا يمكنك التصويت في هذا المنتدى | |||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع |
| | |||
| |||
| السلام عليكم بما أن عدد مشاركاتي يقترب من الألف, فأردت أن تمر هذه اللحظة التاريخية في شيء يفيد الأمة والعروبة بشكل عام, والثقافة والأدب بشكل خاص. لذلك قررت أن أبدأ موضوعاً طويلاً عريضاً, يفيد الجميع - أعتقد أننا هنا معظمنا شعب مثقف نحب القراءة ونتذوق الأدب. وهناك مناسبة أخرى هامة بالنسبة لي, موعدها بعد أسبوع تقريباً, لكنني ارتأيت أن أباشر بالموضوع قبل حلولها , وأن ذلك لن يخرّب على مرورها بشكل جميل ومميز. وكذلك .. أحب أن أهدي موضوعي هذا , إلى شخص - أعتقد سيعرف نفسه - ولن أذكره لكم اعذرونيلأقول له "لن ننسى" ... كتلك العبارة التي تكتب على القبور عادةً (لا أعرف أتوجد هذه العادة في سوريا أم لا). الموضوع سيحوي على تعريفات لروايات روسية مشهورة, إن وجدت الروايات كاملة فسألحقها بأماكنها, معظم ما سيورد هنا هو من الأدب الكلاسيكي الروسي - العالمي. سأحاول كذلك أن لا أطيل عليكم بالتحدث عن الكاتب وسيرته الذاتية, ولا أرهقكم بالآراء النقدية, بل التحدث عن المتن والموضوع نفسه. أتمنى كذلك سماع آرائكم, ورغباتكم .. وترقبونا ![]() |
|
#21
| |||
| |||
| ... تتمة ... قبل العشاء، ذهبت صوفيا لفوفنا إلى الدير لرؤية أوليا، ولكنّهم أخبروها هناك بأن أوليا ذهبت لتقرأ من سفر المزامير على روح امرأة توفيت. خرجت صوفيا من الدير وتوجهت إلى بيت أبيها، إلا أنها لم تلقه في المنزل أيضاً. بعدئذ غيّرت العربة وراحت تتجول في الشوارع والطرق الفرعية دون أيّما هدف، واستمرّت على حالتها تلك حتى حلول المساء، ولسبب ما، تذكرت خالتها الدامعة العينين، العاجزة عن إيجاد الطمأنينة أبداً. في تلك الليلة، خرجوا مرّة أخرى في الترويكا، واستمعوا إلى غناء الغجر في مطعم خارج البلدة، وعندما عبروا من أمام الدير ثانية، تذكرت صوفيا أوليا، فأرعبها التفكير بأن فتيات ونساء طبقتها الاجتماعية لا يجدن مخرجاً سوى ركوب الترويكا دوماً، والكذب، أو الالتحاق بالدير وإماتة الجسد. في اليوم التالي كان ثمّة لقاء آخر،وعادت صوفيا لفوفنا إلى التجوال وحدها في عربة مستأجرة حول المدينة، وتذكرت خالتها من جديد. انفصل فولوديا الصغير عن صوفيا لفوفنا بعد أسبوع، ثم عادت الحياة إلى مجاريها كما كانت من قبل، مملة، حزينة، بل وحتى مؤلمة في بعض الأحيان. كان الكولونيل يلعب البلياردو أو البوكيت مع فولوديا الصغير لساعات، وكانت ريتا تروي النكات بطريقتها الذابلة السمجة، بينما كانت صوفيا لفوفنا تتجوّل في عربة مستأجرة باستمرار وتتضرع إلى زوجها كي يأخذها للتنزّه بالترويكا. أضجرت صوفيا لفوفنا أوليا، إذ كانت تزورها في الدير كل يوم تقريباً، فتشكو لها عذابها الذي لا طاقة لها على احتمالـه، وتبكي وتشعر في الوقت نفسه أن ثمّة شيئاً نجساً، مثيراً للشفقة وخسيساً قد دخل معها إلى صومعة الدير. وكانت أوليا تقول لها آلياً وبلهجة امرئ يتلو درساً محفوظاً، بان لا شيء من هذا لـه أدنى قيمة، وبأن كل هذا سيمضي، وأنّ الله سوف يسامحها. هوامش: (1) عربة أو زحّافة روسية تجرها ثلاثة أحصنة. (2) من أجل الإغاظة. (3) ـ اعذرني، إنني لست بمفردي. (4) ـ غافريل رومانوفيتش درجافن (1743-1816)، أشهر الشعراء الروس في القرن الثامن عشر. في عام 1815، وقبل وفاته بسنة، ترأس لجنة تحكيم لشعر الفتيان في مدرسة سانت بطرس بورغ، حيث قدّم بوشكين، ابن السادسة عشرة آنذاك، قصيدة غنائية حاكى فيها درجافن، فعانق الشاعر الفتى، وأطنب في مدحه حتى رفعه إلى السماء،وتنبأ لـه بمستقبل عظيم. أنطون بافلوفيتش تشيخوف ترجمة: ليندا خليل |
|
#22
| |||
| |||
| طلبت - قبل بضعة أيام - من مربية أولادي ( جوليا فاسيليفنا ) موافاتي بغرفة المكتب. - تفضلي بالجلوس ( جوليا فاسيليفنا ) - قلت لها - كيما نسوي مستحقاتك . ويبدو أنك تلبسين رداء الرسمية والتعفف إذ أنك لم تطلبيها رسميا مني رغم حاجتك الماسة للمال ... حسنا ... كنا إذا قد اتفقنا على مبلغ ثلاثين روبلا في الشهر ... - بل أربعين قالت باستحياء. - كلا .. اتفاقنا كان على ثلاثين ، دونت ملاحظة بذلك . أدفع إلى المربيات ثلاثين روبلا عادة . لقد عملت هنا مدة شهرين لذا .. - شهران وأيام خمسة قالت مصححة - بل عملت لمدة شهرين بالتمام والكمال - قلت بإصرار - لقد دونت ملاحظة بذلك ، وهذا يعني أنك تستحقين ستين روبلا يخصم منها أجر تسعة أيام تعرفين تماما أنك لم تعملي شيئا لـ ( كوليا ) أيام الأحد وكنت تكتفين بالخروج به للنزهة ... هناك أيضا ثلاث إجازات و ... ولم تعقب .. اكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة .. مانبست ببنت شفه - ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثنى عشر روبلا ... كما وأن ( كوليا ) قد مرض فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس ... شغلت إبان ذلك بـ ( تانيا ) فقط ، هناك أيضا أيام ثلاثة شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة اعفتك زوجتي خلالها من العمل بعد الظهر ... اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر ، واطرحي ذلك فيتبقى بعد ذلك ... آ ... واحد وأربعون روبلا ... أصبح ذلك واحمرت العين اليسرى ( لجوليا فاسيليفنا ) ثم ... غرقت بالدمع ، فيما تشنج ذقنها وارتعش ... وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها ... إلا أنها ... لم تنبس بحرف - " قبيل ليلة رأس السنه كسرت كوب شاي وصحنه ، يخصم من ذلك روبلان رغم أن تكلفة الكوب هي في الواقع أكثر من ذلك إذ إنه كان ضمن تركة قيمة ... لا يهم ليست تلك هي أولى مامنيت به من خسائر ... بعد ذلك ونتيجة لإهمالك صعد ( كوليا ) شجرة فتمزق معطفه ، يخصم من المجموع عشرة روبلات ... كما وأن الخادمه قد سرقت - بسبب لامبالاتك حذاء ( فانيا ) ينبغي أن تفتحي عينيك جيدا ... أن تتوخي الحذر والحيطة فنحن ندفع لك ثمن ذلك ... حسنا نطرح من كل ذلك خمسة روبلات وإني قد أعطيتك عشرة روبلات يوم العاشر من يناير - لم يحدث ذلك ّ همست ( جوليا فاسيليفنا ) - بلى دونت ملاحظة بذلك قلت بإصرار - حسنا وإذا أجابت بنبرات كسيرة . - فإذا ما خصمنا سبعة وعشرين من واحد وأربعين فسيتبقى لك أربعة عشر روبلا وغرقت بالدموع حينها كلتا عينيها فيما ظهر العرق على أنفها الصغير الجميل ... ياللبنية المسكينة - لم أحصل على مال سوى مرة واحدة - قالت صوت راعش متهدج النبرات - وكان ذلك من زوجتك . ماتجاوز ما استلمته ثلاث روبلات ... لا أكثر سيدي - حقا أرأيت لم أدون ملاحظة بذلك - سأخصم من الأربعة عشر روبلا ثلاثة فيتبقى لك أحد عشر روبلا ودفع إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها . شكرا قالت هامسة . - ولماذا هذه الـ ( شكرا ) سألتها - للمبلغ الذي دفعته لي . لكنك تعرفين أني قد غششتك ... أني قد سرقتك ونهبت مالك فلماذا شكرتني - في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لي شيئا البتة - لم يمنحوك على الإطلاق شيئا زال العجب إذا لقد دبرت هذا المقلب كي ألقنك درسا في المحافظة على حقوقك ، سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة ... ثمانون روبلا ... لقد وضعتها في هذا الظرف مسبقا ... لكن - تساءلت مشدوها - أيعقل ذلك أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام لماذا لم تعترضي لم كل ذلك الصمت الرهيب ... أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب إنسان في سذاجتك وخضوعك وابتسمت في ذل وانكسار فقرأت في ملامحها " ذاك ممكن " واعتذرت منها مجددا عما سببته لها من ألم وإحراج ، إذ إن الدرس كان قاسيا حقا قبل أن أسلمها الظرف الذي يحوي أجرها ... ثمانون روبلا تناولتها بين مكذبة ومصدقة ... وتلعثمت وهي تكرر الشكر ... المرة تلو المرة ثم غادرت المكان وأنا أتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب في أرجاء غابة الظلم يندح في أوردتي وهمست لنفسي : - حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم أنطون بافلوفيتش تشيخوف ترجمة : حصة العمار |
|
#23
| |||
| |||
| هبط إيفان إيفانيتش لابكين، الشاب اللطيف الهيئة وأنا سيميونوفنا زامبليسكايا، الشابة ذات الأنف الصغير المقعي، على الشاطئ المنحدر، وجلسا على أريكة . وكانت هذه الأريكة تقوم قرب الماء تماما، وسط خمائل الصفصاف اليافعة الكثيفة . مكان ساحر ! ما إن تجلس هنا حتى تختفي عن العالم، فلا تراك إلا الأسماك والعناكب المائية الراكضة كالبرق فوق صفحة المياه . وكان الشاب والشابة مزودين بالسنانير والشباك وعلب ديدان الطعم وغيرها من أدوات الصيد . وما إن جلسا حتى شرعا على الفور في صيد السمك . وبدأ لابكين يقول وهو يتلفت : - كم أنا سعيد بأننا أخيرا أصبحنا وحدنا..أريد ان أقول لك الكثير يا آنا سيميونوفنا..الكثير جدا..عندما رأيتك أول مرة..سنارتك تغمز..أدركت عندها لأري غرض أحيا، أدركت أين معبودي الذي ينبغي أن أكرس له كل حياتي الكادحة الشريفة .. يبدو أنها سمكة كبيرة تغمز .. ما إن رأيتك حتى أحببتك، لأول مرة، أحببتك حبا جارفا ! انتظري لا تجذبي، دعيها تغمز.. خبريني يا عزيزتي، استحلفك، هل أستطيع أن آمل – لا بأن تبادليني الحب، كلا فأنا لا استحق، أنا حتى لا أجرؤ على التفكير في ذلك، هل أستطيع أن أطمع في...اسحبي! رفعت آنا سيميونوفنا يدها عاليا بالسنارة وشدتها وصرخت . ولمعت في الهواء سمكة فضية خضراء . - يا إلهي ، فرخ ! آي ، آه .. أسرع ! أفلتت ! أفلتت السمكة من السنارة، وتلوت على العشب قافزة نحو محيطها و .. غاصت في الماء ! . وبينما كان لابكين يطارد السمكة أمسك عفوا بذراع آنا سيميونوفيا بدلا من السمكة، عفوا ضمها إلى شفتيه ...وشدت هي ذراعها، ولكن بعد فوات الآوان : فقد انطبقت الشفتان عفوا في قبلة. حدث ذلك عفوا . وتلت القبلة قبلة أخرى، ثم الإيمان والتأكيدات .. يا لها من لحظات سعيدة ! ولكن ليس هناك شيء سعيد بصورة مطلقة في هذه الحياة الدنيوية، فالشيء السعيد عادة يحمل في طياته السم، أو يسممه شيء ما خارجي . وهذا ما كان في هذه المرة أيضا . فبينما كان الشاب والشابة يتبادلان القبلات سمعا فجأة ضحكا . نظرا إلى النهر وأصابهما الذهول : فقد كان هناك صبي يقف في الماء عاريا مغمورا حتى وسطه . كان ذاك هو التلميذ كوليا شقيق آنا سيميونوفنا، كان واقفا في الماء ينظر إلى الشاب والشابة وهو يبتسم بخبث، وقال : -أه .. تتبادلان القبل ؟ طيب ! سأقول لماما. فدمدم لابكين وهو يتضرج بالحمرة . - آمل بأنك إنسان شريف .. إن التلصص شيء وضيع، والوشاية شيء منحط، كريه .. أعتقد أنك إنسان شريف ونبيل. فقال الإنسان النبيل : - هات روبلا وعندئذ لن أقول ! وإلا فسأقول. وأخرج لابكين من جيبه روبلا وأعطاه لكوليا، وضم هذا قبضته المبللة على الروبل، وصفر ثم سبح مبتعدا. ولم يعد العاشقان الشابان إلى تبادل القبلات بعد ذلك في هذا اليوم . وفي اليوم التالي جلب لابكين أصباغا وكرة من المدينة لكوليا، وأهدته أخته كل علب الأدوية الفارغة التي كانت تمتلكها . ثم اضطرا إلى إهدائه أزرار أكمام قميص بوجوه كلاب . ويبدو أن هذا كله أعجب الصبي الشرير، ولكي يحصل على المزيد مضى يراقبهما . وأينما ذهب لابكين وآنا سيميونوفيا كان يذهب . ولم يتركها دقيقة واحدة . وصر لابكين على أسنانه وقال : - وغد ! ما أصغره ومع ذلك فياله من وغد كبير ! - ترى كيف سيصبح فيما بعد ؟! وطوال شهر يونيو نغص كوليا على العاشقين المسكينين حياتهما . كان يهددهما بالوشاية، ويراقبهما ويطالب بالهدايا. ولم يكن يكفيه ما يحصل عليه، وفي آخر الأمر بدأ يتحدث عن ساعة جيب .. فماذا ؟.. اضطرا أن يعداه بساعة . وذات مرة ، أثناء الغداء عندما قدموا البسكوت المحشو بالحلوى قهقه كوليا فجأة وغمز بعينه وسأل لابكين : - أقول ؟ هه؟ واحمر لابكين بشدة؛ وبدلا من البسكوت راح يمضغ الفوطة، وهبت آمنا سيميونوفيا واقفة من أمام المائدة وركضت إلى غرفة أخرى . وظل العاشقان في هذا الوضع حتى آخر أغسطس، حتى ذلك اليوم الذي طلب فيه لابكين، أخيرا، يد آنا سيميونوفنا . أوه كم كان يوما سعيدا فبعد أن تحدث لابكين مع والدي العروس وحصل على موافقتهما، كان أول ما فعله أن انطلق إلى الحديقة ومضى يبحث عن كوليا، وعندما وجده كاد يبكي من الفرحة وأمسك بهذا الولد الشرير من أذنه . وجاءت آنا سيميونوفنا ركضا . فقد كانت هي الأخرى تبحث عن كوليا، وأمسكت بأذنه الثانية .. كان ينبغي أن تروا أية متعة ارتسمت على وجهي العاشقين عندما راح كوليا يبكي ويضرع إليهما : - يا أحبائي، يا أعزائي، لن أعود إلى ذلك . آي، آي، سامحاني . وبعد ذلك اعترافا بأنهما لم يشعرا أبدا طوال فترة حبهما بمثل هذه السعادة، بمثل هذه المتعة الغامرة، التي أحسا بها عندما كانا يشدان أذني هذا الولد الشرير . أنطون بافلوفيتش تشيخوف 1883 |
|
#24
| |||
| |||
| عُرف غريغوري بتروف ولسنوات طويلة ببراعته الفائقة في حرفة الخراطة، لكنه في نفس الوقت كان الأكثر حمقا وسذاجة في إقليم (غالتشينيسكوي)، فلكي ينقل زوجته المريضة إلى المستشفى، كان عليه أن يقود الزلاجة لمسافة عشرين ميل في جو شتائي عاصف، عبر طريق شديدة الوعورة. ولم تكن تلك بالمهمة اليسيرة حتى بالنسبة لسائق البريد الحكومي. كانت الرياح القارصة تضرب في وجهه مباشرة، وسحب الثلج تلتف في دوامات حوله في كل اتجاه، حتى أن المرء لا يدري إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض، بينما الرؤية معدومة تماما لكثافة الضباب الثلجي، فلم يكن يرى شيئا من الحقول والغابات وأعمدة التلغراف. وعندما كانت تضربه ريح قوية مفاجئة، كان يصاب بالعمى التام، فلا يعود يبصر حتى لجام الحصان، ذلك الحيوان البائس الذي كان يزحف ببطء وهو يجر قدميه في الثلج بوهن شديد. وكان الخراط قلقا متوترا ومتعجلا لا يكاد يستقر في مقعده وهو يسوط ظهر الحصان. كان غريغوري يغمغم طول الوقت متحدثا إلى زوجته. - لا تبكي يا ماتريونا. قليل من الصبر يا عزيزتي. سنصل المستشفى وعندها كل شيء سوف يكون على ما يرام... سيعطيك بافل ايفانيتش بضع قطرات، أو سأطلب منه أن يعمل لك الحجامة، أو ربما يتكرم ويرضى أن يدلك جسدك بالكحول. سيبذل كل ما في وسعه دون شك. نعم سيصرخ وينفعل لكنه في النهاية يبذل جهده. إنه رجل مهذب ولطيف. فليعطه الله الصحة. حالما نصل هناك ويرانا سيندفع من غرفته كالسهم ويبدأ بإطلاق السباب والشتائم. وسوف يصرخ: كيف؟ لماذا هكذا؟ لماذا لم تأتوا في الوقت المناسب؟ أنا لست كلبا كي أبقى عالقا هنا في انتظار حضراتكم طوال اليوم. لماذا لم تأتوا في الصباح؟ هيا اخرجوا، لا لن أستقبلكم. تعالوا غدا. فأرد عليه قائلا: يا حضرة الطبيب المبجل بافل إيفانيتش، نعم يمكنك أن تسب وتلعن وتشتم...، وليأخذك الطاعون...أيها الشيطان.... ساط الخراط ظهر الحصان، ومن دون أن ينظر إلى المرأة العجوز الراقدة في العربة خلفه واصل حديثه مع نفسه: - يا حضرة الطبيب المبجل، أقسم بالله، ولن أقول إلا الصدق، وها هو الصليب أرسمه على صدري أمامك بأنني انطلقت قبل طلوع الفجر، ولكن كيف يمكنني أن أكون عندك في الوقت المناسب وقد أرسل الرب هذه العاصفة الثلجية؟ تلطف وانظر بنفسك..إن أفضل الجياد لن تتمكن من السير في هكذا جو، وحصاني هذا الكائن البائس التعيس كما ترى بنفسك ليس حصانا على الإطلاق. عندها سيقطب بافل ايفانيتش حاجبيه ويصرخ: نحن نعرفكم، أنتم دائما بارعون في اختلاق الأعذار، وعلى الأخص أنت يا غريشكا. فأنا أعرفك حق المعرفة، وأقسم بأنك توقفت في نصف دزينة من الحانات قبل أن تأتي عندي. لكني سأقول له: أيها المحترم، هل أنا كافر أم مجرم حتى أتنقل بين الحانات بينما زوجتي المسكينة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ لعنة الله على الحانات وأصحابها وليأخذهم الطاعون جميعا. سيأمر بافل ايفانيتش عندها بنقلك إلى داخل المستشفى، فاركع عند قدميه. بافل ايفانيتش، أيها المحترم، نشكرك من صميم قلوبنا، وأرجو أن تسامحنا على حماقاتنا وسلوكنا الأرعن، وألا تكون قاسيا معنا نحن الفلاحون. نعم نحن نستحق منك لا الشتيمة فحسب بل حتى الرفس، وقد كنا سببا في خروجك وتلويث قدميك في الثلج. سينظر بافل ايفانيتش نحوي كأنه يريد أن يضربني وسيقول: ألا يجدر بك أيها الأحمق أن تشفق على هذه المسكينة وترعاها بدلا من أن تسكر وتأتي لتركع عند قدمي؟ والله أنت تستحق الجلد. نعم، نعم..أنت على حق في ذلك. أنا أستحق الجلد يا بافل ايفانيتش، فلتصب السماء لعناتها على رأسي، ثم ما الضير لو ركعت عند قدميك، فأنت أبونا وولي نعمتنا، ويحق لك يا سيدي أن تبصق في وجهي لو بدر مني ما يضايقك، وأقسم بالله على ذلك. سافعل كل ما تريده وتأمرني به..إذا استرجعت زوجتي العزيزة ماتريونا صحتها. وإذا أردتَ أصنع لك علبة سجاير فاخرة من أفضل أنواع الخشب، كراتا للعبة الكروكيت، أو أروع قناني خشبية للعبة البولنج..ولن آخذ منك قرشا واحدا. في موسكو تكلف علبة السجاير أربع روبلات، لكني سأصنعها لك دون مقابل. عندها سيضحك الطبيب ويقول: حسنا، حسنا...يبدو أنك سكران حتى الثمالة. كما ترين يا عزيزتي فأنا أعرف كيف أتعامل مع أبناء الطبقة العليا. ليس هنالك من سيد يستعصي علي. فقط أدعو من الله ألا أفقد الطريق. أنظري كم عنيفة هي الريح. لا أكاد أفتح عيني من شدة اندفاع الثلج. ولم يتوقف الخراط عن حديثه المتواصل مع نفسه، في محاولة منه على ما يبدو للتخفيف من ضغط المشاعر الحادة عليه. كانت الكلمات كثيرة على لسانه، وكذلك الأفكار والأسئلة في رأسه. جاءه الحزن مفاجئا، دون توقع أو انتظار، وعليه الآن أن يتخلص منه. لقد عاش حياته في سكينة وسلام دون أن يعرف للحزن أو للبهجة معنى، وفجأة، دون سابق إنذار، جاءه الألم ليعشش بين تلافيف قلبه، فوجد السكير المتسكع نفسه في موقع المسئول، مثقلا بالهموم، ويصارع الطبيعة. وراح غريغوري يتذكر كيف ابتدأت المشكلة ليلة أمس عندما عاد إلى البيت سكرانا بعض الشيء، وكالعادة انطلق يشتم ويهدد بقبضتيه، فنظرت إليه زوجته كما لم تنظر إليه من قبل. عادة ما تشف نظرات عينيها عن الذل والاستكانة الشبيهة بنظرات كلب أشبع ضربا. لكنها هذه المرة نظرت إليه بتجهم وثبات، كما ينظر القديسون في الصور المقدسة أو كما ينظر الموتى. من نظرة الشر الغريبة تلك بدأت المشكلة. وفي حالة من الذهول والاستغراب استعار حصانا من أحد الجيران كي ينقل زوجته العجوز إلى المستشفى لعله باستخدام المساحيق والمراهم، يستطيع بافل ايفانيتش أن يعيد التعبير الطبيعي لنظرة عينيها. ويستمر الخراط في حديثه مع نفسه فيقول: - حسنا، اسمعيني يا ماتريونا، لو سألك بافل ايفانيتش فيما إذا كنت قد ضربتك، يجب أن تنفي ذلك وسوف لن أضربك بعد اليوم، أقسم على ذلك. وهل ضربتك يوما لأني أكرهك؟ لا، إطلاقا. إنما دوما أضربك وأنا فاقد لوعيي. أنني حقا أشعر بالأسف من أجلك. لا أظن أن الآخرين سيبالون مثلي، فها أنت ترين، إنني أفعل المستحيل في هذا الجو الثلجي العاصف كي أصل بك إلى المستشفى. فلتتحقق مشيئتك أيها الرب، وإن شاء الله لن نخرج عن الطريق. هل يؤلمك جنبك عزيزتي؟ ألهذا أنت لا تتكلمين؟ إني أسألك، هل يؤلمك جنبك؟ لاحظ خلال نظرة خاطفة إلى العجوز بأن الثلج المتجمع على وجهها لا يذوب. والغريب أن الوجه نفسه بدا مسحوبا، شديد الشحوب، شمعيا، جهما ورصينا. صرخ قائلا: - أنت حمقاء، حمقاء..، أقول لك ما في ضميري أمام الله، لكنك مع ذلك تصرين على....حسنا، أنت حمقاء، وأنا قد أركب رأسي..ولا آخذك إلى بافل ايفانيتش. أرخى اللجام بين يديه وبدأ يفكر. لم يكن في مقدوره أن يستدير تماما لينظر إلى زوجته. كان خائفا. وكان يخشى أيضا أن يكرر أسئلته عليها دون أن يحصل على جواب. أخيرا، وليحسم الأمر، ومن دون أن يلتفت إليها رفع يده وتحسسها. كانت باردة، وعندما تركها سقطت كأنها قطعة خشب. ندت منه صرخة. - إذن فهي ميتة، يا للمصيبة. لم يكن آسفا قدر انزعاجه. وفكر كيف أن الأشياء تمر سريعة في هذا العالم. لم تكن المشكلة قد ابتدأت وإذا بها تنتهي بكارثة. لم يسنح له الوقت كي يعيش معها ويكشف لها عن أسفه قبل موتها. عاش معها أربعين عاما لكنها مرت في ضباب وعتمة مطبقة. لم يكن هنالك من مجال للأحاسيس الجميلة وسط السكر والعربدة والشجار المتواصل والفقر المدقع. ولكي تغيظه فقد ماتت في اللحظة التي بدأ يشعر فيها بالأسف عليها، وبأنه لا يستطيع العيش من دونها وأنه كان قاسيا معها وقد أساء لها كثيرا. قال لنفسه متذكرا: - كنت أبعثها كي تدور في القرية تستجدي الخبز. كان يمكن أن يطول العمر بها لعشر سنوات أخرى. المصيبة أنها ماتت وهي تعتقد بأني ذلك الإنسان...... يا أمنا المقدسة. ولكن بحق الشيطان أين أنا ذاهب الآن؟ ما عاد بي حاجة إلى الطبيب، ما أحتاجه الآن قبرا كي أدفنها. استدار بالزلاجة وهو يلهب ظهر الحصان بسوطه، وقد ازداد الجو سوءا حتى انعدمت الرؤية تماما. ومن حين لآخر كانت تضرب وجهه ويديه أغصان الأشجار وتخطف من أمام عينيه أجسام سوداء. - لو أعيش معها مرة أخرى. وتذكر بأن ماتريونا قبل أربعين عاما كانت مليحة الوجه مرحة الروح، وهي من عائلة ميسورة الحال، وقد رضي أهلها أن يزوجوها له بعدما شاهدوا وعرفوا مدى براعته في مهنة الخراطة. كانت كل الأسباب لحياة سعيدة متوفرة لهما، لكن المشكلة أنه في ليلة عرسه شرب حتى الثمالة ومن يومها وهو سكران طول الوقت ولم يستيقظ أبدا. نعم فهو يتذكر عرسه، ولكنه لا يتذكر شيئا مما حدث بعد ذلك وطوال حياته، باستثناء أنه كان يسكر ويضطجع عند الموقد ويتشاجر. هكذا ضاعت منه أربعون سنة. بدأت الغيوم الثلجية البيضاء تتحول تدريجيا إلى اللون الرمادي مما ينبئ عن قرب الغسق. عاد يسأل نفسه: - إلى أين أنا ذاهب؟ مطلوب مني أن أفكر بدفن الجثة... بينما أنا الآن في طريقي إلى المستشفى..كأنني فقدت عقلي.. واستدار بزلاجته ثانية. كان الحصان يشخر وراح يتعثر في خببه، فعاد الخراط يجلده من جديد. وكان يسمع صوت ارتطام خلفه، ومن دون أن يلتفت كان يعرف بأنه صادر عن رأس العجوز وهو يضرب بحافة المقعد. ازداد الثلج عتمة، واشتدت برودة الريح. - لو أعيش معها مرة أخرى، سأشتري مخرطة جديدة، وأشتغل...وأجلب لها الكثير من النقود. أفلتت يداه العنان. بحث عنه. حاول أن يلتقطه، فلم يستطع. قال لنفسه: - لا يهم. يستطيع الحصان أن يتولى الأمر بنفسه، فهو يعرف الطريق. يمكنني أثناء ذلك أن أنام قليلا قبل أن أتهيأ للجنازة وصلاة الميت... أغلق الخراط عينيه وغاص في إغفاءة. بعدها بفترة قصيرة شعر بأن الحصان قد توقف عن السير. فتح عينيه فرأى أمامه شيئا معتما يشبه كوخا أو كومة من القش. أراد أن ينهض ليكتشف ذلك الشيء، لكنه أحس بأنه عاجز تماما عن الحركة، ووجد نفسه دون ضجة أو مقاومة يستسلم لنوم هادئ عميق. عندما استيقظ، وجد نفسه في غرفة فسيحة، مطلية الجدران، وضوء الشمس يتوهج عند الشبابيك. ورأى ناسا حوله، فكان شعوره الأول أن يعطي الانطباع بأنه سيد محترم ويعرف كيف يلتزم بالسلوك السليم الذي يفرضه الموقف. قال مخاطبا إياهم: - الصلاة على روح زوجتي أيها الأخوة. لابد من إعلام القس بذلك... قاطعه أحدهم بصوت حازم: - حسنا، حسنا، ولكن لا تتحرك. صرخ الخراط مندهشا وهو يرى الطبيب أمامه: - بافل إيفانيتش! ولي نعمتنا المبجل. أراد أن يقفز ليركع على ركبتيه أمام الطبيب، لكنه شعر بأن ساقيه وذراعيه لا تستجيب له. صاح مرعوبا: - أين ساقيَّ ؟ وأين ذراعيَّ يا سيدي ؟ - قل لهما وداعا. كانت متجمدة تماما فاضطررنا إلى بترها. هيا...هيا...علام تبكي ؟ لقد عشت حياتك، واشكر ربك على ذلك. أنت الآن في الستين على ما أعتقد، وأظن أن هذا يكفي بالنسبة لك. - أنا حزين، حزين جدا...وأرجو أن تسامحني يا سيدي. كم أتمنى لو أعيش خمس أو ست سنوات أخرى. - لماذا؟ - الحصان ليس لي، ويجب أن أعيده لأصحابه..ويجب أن أدفن زوجتي...أوه يا إلهي..كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم. سيدي..بافل ايفانيتش، سأصنع لك علبة سجاير من أجود أنواع الخشب، وكذلك كرات للكروكيت... غادر الطبيب الجناح وهو يلوح بيده. كان كل شيء قد انتهى بالنسبة للخراط. أنطون بافلوفيتش تشيخوف ترجمة : رافع الصفار |
|
#25
| |||
| |||
| كانت البلدة الصغيرة، أسوأ من قرية، لا يكاد يعيش فيها سوى العجائز الذين كانوا يموتون بشكل نادر إلى حد مقلق ومثير للحيرة، وكانت الحاجة إلى التوابيت ضئيلة جداً فى المستشفى، وحتى فى السجن. وباختصار، فقد كانت الأمور فى غاية الإزعاج. ولو كان ياكوف إيفانوف حانوتيا فى مركز المحافظة لامتلك على الأرجح منزله الخاص، ونادوه بلقب ياكوف ماتفييتش، ولكنهم كانوا ينادونه، هنا فى البلدة الصغيرة، ببساطة: ياكوف. ولسبب ما كان لقبه فى الشارع "برونزا" برغم حياة الفقر والكفاف كفلاح بسيط فى بيت من بيوت الفلاحين الصغيرة الحقيرة، حيث يقتصر على غرفة وحيدة يعيش فيها هو ومارفا، والمدفأة وسرير يتسع لشخصين، والتوابيت، ومنضدة نجارة، وباقى أدوات المعيشة. كان ياكوف يصنع توابيت جيدة ومتينة. فمن أجل الرجال وصغار الملاك كان يصنعها على مقاسه، ولم يخطئ فى ذلك مرة واحدة إذ لم يكن هناك إنسان أطول وأقوى منه حتى فى السجن، برغم أنه كان قد تجاوز السبعين عاماً. ومن أجل النبلاء والنساء فقد كان يصنعها بالقياس مستخدماً من أجل ذلك مقياس الأرشين (1)، بينما كان يقبل طلبيات توابيت الأطفال على مضض، ويصنعها مباشرة دون قياس وباستخفاف شديد. وفى كل مرة عندما يتقاضى فيها نقوداً عن عمله، كان يقول: أعترف.. فأنا لا أحب العمل فى هذه التفاهات. باستثناء الحرفة، كان عزفه على الكمان أيضاً يجلب له دخلاً غير كبير. ففى حفلات الزفاف بالبلدة كان يعزف فى العادة الأوركسترا (اليهودى) (2) الذى كان يقوده السمكرى موسى إليتش شخكيس الذى يأخذ لنفسه أكثر من نصف الإيراد. وبما أن ياكوف كان يجيد العزف على الكمان، وخصوصاً بمصاحبة الأغنيات الشعبية الروسية، فقد كان شخكيس يدعوه أحياناً للعزف فى الأوركسترا مقابل خمسين كوبيكا فى اليوم بغض النظر عن هدايا الضيوف وتبرعاتهم. وعندما كان برونزاً يجلس بين العازفين فى الأوركسترا، فإن أول ما كان يظهر عليه هو احمرار وجهه وتصبب العرق منه، إذ كان الجو حاراً، ورائحة الثوم تخنق الأنفاس، والكمان يزيق والكونترباس يشخر بجوار أذنه اليمنى، وبجوار اليسرى ينشج الناى الذى يعزف عليه (اليهودى) الأصهب الهزيل، بوجهه الذى تظلله شبكة واسعة من العروق الحمراء والزرقاء، والذى كان يحمل لقب الثرى الشهير روتشيلد. وكان هذا (اليهودى) اللعين يحول حتى أكثر الألحان مرحاً إلى كآبة وأنين، وبدون أسباب واضحة كان ياكوف متشبعاً بكره واحتقار شديدين لهؤلاء (اليهود)، وخاصة لروتشيلد. وقد بدأ ذلك بالمماحكة، ثم التجريح بالشتائم البذئية، لدرجة أنه أراد ذات مرة أن يضربه. بينما تأذى روتشيلد من ذلك، وقال من بين أسنانه ناظراً في حنق: -لو لم أكن أحترمكم لموهبتكم، لطرتم من النافذة منذ زمن بعيد. ثم بكى. ولذا فقلما كانوا يستعينون ببرونزا فى الأوركسترا، وكان ذلك يحدث فقط فى حالات الضرورة القصوى عندما يتغيب أحد من اليهود. كان ياكوف فى مزاج سيئ باستمرار لأنه كان يتعين عليه دائماً أن يصبر على الخسائر الفادحة. وعلى سبيل المثال، ففى أيام الآحاد وفى الأعياد كان من الإثم أن يعمل، ويوم الاثنين يوم صعب. وبهذا الشكل يكون المجموع حوالى مائتى يوم يتعين عليه فيها أن يجلس، خلافا لإرادته، عاطلاً عن العمل، بينما فى ذلك خسارة، وأية خسارة! إذا أقام أحد ما فى البلدة عرساً بدون موسيقى، وكانت خسارة أيضاً إذا لم يدعُ شخكيس ياكوف. ولقد ظل رجل البوليس المراقب بالسجن مريضاً يعطس طوال عامين كاملين. وانتظر ياكوف بفارغ الصبر متى يموت، ولكن المراقب سافر إلى المركز للعلاج، ومات هناك. وكم كانت الخسارة إذ ضاعت على الأقل عشر روبلات، لأن الأمر اقتضى أن يصنع التابوت على نحو آخر مستخدماً نوعاً خاصاً من القماش لتزيينه. وراحت الأفكار حول الخسائر والانتكاسات تضني ياكوف وتعذبه، خاصة فى الليل. ولذا فقد وضع الكمان إلى جوار الفراش، وكلما وردت على ذهنه تُرهة ما، كان يمس الأوتار فيصدر الكمان فى الظلام صوتاً يهدئ من روعه. وفى السادس من مايو فى العام الماضى توعكت مارفا فجأة. فراحت تتنفس بصعوبة شديدة، وشربت ماء كثيراً ثم ترنحت. وعلى الرغم من كل ذلك نهضت فى الصباح وأشعلت المدفأة بنفسها، حتى ذهبت لتملأ الماء. وقرب حلول المساء ترنحت مرة أخرى، فى حين ظل ياكوف طوال النهار يعزف الكمان. وعندما حل الظلام تماماً ، تناول الدفتر الذى يسجل فيه خسائره كل يوم. ومن جراء الملل قام بعمل إجمالى سنوى لهذه الخسائر. وكانت النتيجة أكثر من ألف روبل مما زلزل كيانه لدرجة أنه ألقى بالأوراق على الأرض وأخذ يدوسها بقدميه، ثم رفعها مرة ثانية ومزقها متنفساً بعمق وتوتر، وكان وجهه محمراً ومبللاً من أثر العرق. راح يفكر فيما إذا كان قد وضع هذه الألف روبل الضائعة فى البنك، لتراكمت الأرباح السنوية على الأقل بمقدار أربعين روبلاً. مما يعنى أن الأربعين روبلاً هذه تعتبر أيضاً خسارة. وباختصار فحيثما اتجهت وأينما كنت فليس هناك سوى الخسارة ولا شىء سواها. -ياكوف-نادته مارفا بغتة-إننى أموت! تطلع إلى زوجته. كان وجهها وردياً من ارتفاع درجة حرارتها، وصافيا وسعيدا بشكل غير عادى. أما برونزا المعتاد دائماً على رؤية وجه زوجته ممتقعاً شاحباً وتعيساً، فقد اعتوره الآن الحزن والارتباك. كان الأمر أشبه ما يكون بأنها ماتت بالفعل، وكانت هى راضية بذلك وسعيدة لأنها أخيراً تخرج إلى الأبد من هذا البيت القروى، ومن التوابيت ومن ياكوف نفسه.. نظرت إلى السقف وتمتمت شفتاها بشىء ما، وكان التعبير المرسوم على ملامحها ينم عن سعادة عميقة وكأنها بالفعل قد رأت ملاك الموت وتهامست معه. كان النهار قد شقشق، وبان من النافذة كيف تلألأت شمس الصباح. عندما نظر ياكوف إلى العجوز، تذكر لسبب ما أنه طوال حياته لم يلاطفها أو يشفق عليها، ولم يفكر مرة واحدة أن يشترى لها منديلاً أو يحضر لها شيئاً ما حلواً من عرس، فقط كان يصرخ فيها، ويكيل لها الشتائم بسبب الخسائر والانتكاسات، وينقض عليها مهدداً بقبضتيه. وفى الحقيقة فهو لم يضربها أبداً، وبالرغم من ذلك فقد كان يفزعها ويخيفها، وكانت هى فى كل مرة تتجمد من الرعب. وأيضاً لم يكن يسمح لها بشرب الشاى لأنه بدون ذلك ستكون المصاريف أقل. أما هى فقد كانت تشرب فقط الماء الساخن. ولقد فهم لماذا يبدو وجهها غريباً وسعيداً، الشىء الذى أصبح بالنسبة له مرعباً. جاء الصباح بعد طول انتظار، فاستعار حصان جاره ونقل مارفا إلى المستشفى. كان المرضى هناك قليلين، وما كان عليه الانتظار إلا قليلاً، حوالى ثلاث ساعات. ولحسن حظه لم يستقبل المرضى فى هذه المرة الدكتور الذى كان هو نفسه مريضاً، وإنما التمرجي مكسيم نيكولايتش العجوز الذى كان الجميع يتحدثون عنه فى البلدة بأنه على الرغم من كونه سكيراً وصاحب مشاكل إلا أنه يفهم أكثر من الدكتور. وبعد أن أدخل ياكوف العجوز إلى حجرة الاستقبال، قال: -السلام عليكم. سامحونى فنحن دائماً نزعجكم يا مكسيم نيكولايتش بأمورنا التافهة، اسمحو لى أن ألفت انتباهكم.. لقد أصاب المرض أهالى(3)، رفيقة حياتى كما يقال، أعذرونى على التعبير.. قطب التمرجى حاجبيه الأشيبين، ومسد فوديه، وراح يفحص العجوز وقد تقوست على مقعد بدون مسند، هزيلة ومدببة الأنف بفم مفتوح، تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء. قال التمرجى ببطء بعد أن أخذ نفساً عميقاً: -آ.. نعم.. هكذا.. أنفلونزا، وربما حمى، فالتيفوس منتشر الآن فى البلدة.. ماذا نفعل؟ لقد عاشت العجوز طويلاً.. الحمد لله.. كم عمرها؟ -سبعون إلا سنة واحدة يا مكسيم نيكولايتش. -ماذا نفعل؟ عاشت العجوز طويلاً.. وآن الآوان لرحيلها. -هذا الكلام بالطبع معقول إذا سمحتم يا مكسيم نيكولايتش (قال ياكوف هذا وهو يبتسم من باب التأدب)، ونحن شاكرون وممتنون على تفضلكم.. ولكن اسمحوا لى أن أذكركم بأن الحشرة أيضاً تريد أن تعيش أطول. -كل شيء جائز! ثم قال التمرجي بنبرة كما لو كان موت العجوز أو حياتها متوقفين عليه: -إذن.. هكذا، يا ولد.. سوف تضع على رأسها كمادة باردة.. وأعطها هذا المسحوق مرتين كل يوم، ثم مع السلامة.. بانجور. لمح ياكوف من تعبيرات وجهه، أن الحالة سيئة ولن تساعدها أى مساحيق. وكان من الواضح له أن مارفا على وشك الموت، إذ لم يكن اليوم فغداً. عندئذ دفع التمرجى من مرفقه برفق، وغمز له بعينيه، ثم قال بصوت خافت: -ماذا لو حجمناها يا مكسيم نيكولايتش. -اطلاقاً.. إطلاقاً يا ولد. خذ عجوزك وأذهب فى أمان الله. مع السلامة. قال ياكوف بتضرع: -اعملوا معروفاً.. اسمحوا لى أن أعرف.. لو افترضنا أن بطنها آلمها أو أى شىء داخلى، فعندئذ نعطيها مساحيق وقطرات. ولكن من الواضح أن عندها نزلة برد وأول شىء في حالة النزلة هو طرد الدم يا مكسيم نيكولايتش. ولكن التمرجى كان قد استدعى المريض التالى. ودخل فعلاً إلى حجرة الاستقبال أب مع ولده، فى حين قال ياكوف عابساً: -فىهذه الحالة علقوا لها ولو حتى ألقة!(4) لتجعلوها تصلى لله إلى الأبد! فصاح التمرجى في سورة: -علمنى أيضاً! يا بليد. اغتاظ ياكوف وتضرج كلياً، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة، وتأبط ذراع مارفا وأخرجها من حجرة الاستقبال. ولما جلسا فى العربة، طالع المستشفى بنظرة قاسية ساخرة قائلاً: -أجلسوكم هنا.. ممثلين! لو كان غنياً لحجمه، ولكنه يستكثر على الفقير حتى ألقة واحدة.. معاتيه مشوهون!. عندما وصلا إلى البيت، ظلت مارفا واقفة لعشر دقائق بعد خولها ويدها على كليتها. وبدا لها أن ياكوف لو رآها مضطجعة فسوف يبدأ حديثه عن الخسائر والانتكاسات، وسينهال عليها بالشتائم متهماً إياها بالنوم وعدم الرغبة فى العمل. وتطلع ياكوف إليها فى تذمر وملل، وتذكر أن عيد الناسك يوحنا غداً، وعيد نيكولاى صاحب المعجزات بعد غد، وبعد ذلك يوم الأحد، ثم يوم الاثنين الصعب، أربعة أيام لا يجوز العمل فيها، وربما تموت مارفا فى أى منها. إذن ينبغى أن يصنع لها اليوم تابوتاً. وأخذ أرشينه الحديدى ثم استلقت هى على الفراش بينما رسم علامة الصليب، وبدأ فى عمل التابوت. |
|
#26
| |||
| |||
| حين أصبح التابوت جاهزاً، لبس برونزا عويناته وسجل فى دفتره: -تابوت مارفا إيفانوفنا 2 روبل و40 كوبيك. وتنفس الصعداء فى حين كانت العجوز مستلقية طوال الوقت وهى مغمضة العينين، وفى المساء عندما حل الظلام، نادت عليه العجوز فجأة، وسألته متفرسة فيه بسعادة: -أتتذكر يا ياكوف؟ أتتذكر.. كيف رزقنا الله قبل خمسين عاماً بطفل أشقر الشعر؟ آنذاك كنا نجلس طوال الوقت على ضفة النهر نغنى.. تحت شجرة الصفاف. وبعد أن ابتسمت بمرارة، أضافت: -ماتت البنت. أجهد ياكوف ذاكرته، ولكنه لم يتسطع أبداً تذكر الطفل ولا الصفصافة فقال: -هذا يخيل لك. جاء القس وأجرى مراسيم الاعتراف. بعدها راحت مارفا تتمتم بأشياء غير مفهومة. وفى الصباح ماتت. قامت الجارات العجائز بغسلها وإلباسها ووضعها فى التابوت. ولكى لا يدفع ياكوف مبلغاً إضافياً للشماس تلا هو بنفسه القداس على روحها، فيما لم يأخذوا منه شيئاً عن حفر القبر لأن حارس المقابر هو الذى كان قد عمد ابنته فى الكنيسة بعد ولادتها. وحمل النعش إلى المقبرة أربعة رجال من قبيل الاحترام والتوقير، وليس من أجل النقود، وسار خلفه النسوة العجائز، والمتسولون، واثنان من المجاذيب، بينما كان المارة يرسمون علامة الصليب بورع وتقوى.. وكان ياكوف مسروراً للغاية إذ كان كل شىء محترماً ولائقاً ورخيصاً، وليس هناك ما يمكن أن يكون فيه إهانة لأحد. وفيما كان يلقى النظرة الأخيرة على جثمان مارفا المسجى فى النعش، لمس بأصابعه حافة التابوت، وفكر فى نفسه: صنعة ماهرة! بعدما عاد من المقبرة، انتابه حزن شديد واستحوذ عليه الملل، وشعر بتوعك: كان تنفسه حاراً وثقيلاً، وقدماه ضعيفتين، وانتابته رغبة شديدة لشرب الماء. راحت الأفكار بذاكرته من جديد أنه لم يشفق عليها مرة واحدة في حياته كلها، ولم يلاطفها. وقد عاشا فى بيت واحد اثنين وخمسين عاماً مرت بطيئة، ولكن حدث على نحو ما أنه طوال هذا الوقت لم يفكر فيها، ولم يلاحظ وجودها أو يهتم بها كما لو كانت قطة أو كلباً بينما كانت كل يوم تشعل المدفأة تطبخ وتخبز تذهب لملء المياه، تقطع الأخشاب، وترقد إلى جواره فى فراش واحد. وعندما كان يعود ثملاً من الأعراس، كانت فى كل مرة تعلق كمانه على الحائط باحترام وتبجيل، وترقد فى فراشه، وكل ذلك بصمت وعلى وجهها أمارات الهيبة والاحترام. التقى روتشيلد بياكوف فى الطريق، فابتسم له محيياً إياه بانحناءة: وقال: -أنا أبحث عنكم يا جدى! موسى إليتش يسلمون عليكم ويدعونكم لزيارتهم حيالاً(5). كان ياكوف فى شغل شاغل عن ذلك، وكانت لديه رغبة شديدة فى البكاء: -دعنى! قال ذلك وتابع سيره، بينما انزعج روتشيلد واندفع مهرولاً إلى الأمام: -كيف يمكن ذلك؟ موسى إليتش سيغضبون! إنهم طلبوك حيالاً! أدى إلى امتعاض ياكوف أن هذا (اليهودى) كان يلهث ويتلعثم فى كلامه، ويطرف بعينيه، ولديه نمش أحمر كثير على نحو ما، وكان من المقرف لياكوف النظر إلى سترته الخضراء المرقعة بقطع قماش قاتمة، وإلى قامته الهشة الهزيلة بكاملها. صرخ ياكوف: -مالك تتدخل فى شئونى يا آكل الثوم؟ دعنى وشأنى! غضب (اليهودى) وصرخ بدوره: -ولكن الزموا حدودكم من فضلكم، وإلا ستطيرون من فوق السياج! زعق ياكوف واندفع نحوه مهدداً بقبضتيه: -أغرب عن وجهى.. ألا يمكن العيش بعيداً عن الوسخ! مات روتشيلد فى جلده من الرعب، فقرفص مذهولاً وأخذ يطوح بيديه فوق رأسه كمن يحميه من اللطمات، ثم نهض وفر هارباً، وأثناء جريه كان يقفز ويضرب كفا بكف بينما ظهره الطويل الهزيل يرتعد بوضوح. وفرح الأولاد لما حدث واندفعوا يركضون وراءه صائحين: "يهودى! يهودى!، وجرت الكلاب أيضاً خلف الجميع وهى تنبح. انطلق أحد الماء في قهقهة عالية ثم أطلق صفارة فعلا نباح الكلاب وازداد. ويبدو بعد ذلك أن أحد الكلاب قد عض روتشيلد، فقد سُمعت صرخته المرعوبة من اليأس والفزع. راح ياكوف يتمشى فى المراعى، ثم اقترب من أطراف البلدة وأخذ يسير على غير هدى. فيما كان الأولاد يتصايحون: "برونزا قادم"! برونزا قادم! وها هو النهر حيث طائر الشنقب يتراكض مسرعاً فوق الرمال، والبطء يزعق، والشمس تلفح الوجوه، وصفحة المياه تتلألأ بلمعان أخاذ يؤذى العين. سار ياكوف فى الطريق الضيق بمحازاة ضفة النهر، ولمح كيف خرجت سيدة ممتلئة حمراء الوجنتين من حوض الاستحمام. فراح يفكر فيها: "ياه يا لك من كلب بحر!". وبعيدا عن حوض الاستحمام كان الأولاد يصطادون السمك بلحم السرطان. ولما لمحوه راحوا يصرخون بحنق "برونزا! بروزنزا". وها هى الصفصافة العريضة القديمة ذات التجويف الضخم وفوقها أعشاش الغربان.. وفجأة نما فى ذاكرة ياكوف طفل صغير بشعر أشقر كأنه حى يرزق، بينما كانت الصفصافة التى تحدثت عنها مارفا تقف خضراء ساكنة، وحزينة.. فكم شاخت، مسكينة! جلس تحتها وراح يتذكر.. على هذه الضفة، حيث المرج الذى تغمره الآن مياه الفيضان، كانت هناك آنئذ غابة من أشجار البتولا، وعلى الجبال الجرداء كان يتراءى على خط الأفق حرش الصنوبر العتيق الذى كان يلوح وقتذاك بزرقته بينما تسير فى النهر قوارب التنزه. أما الآن فالأمر سيان وعلى الضفة الأخرى تبدو الأرض جرداء إلا من شجرة بتولا واحدة فقط، شابة وممشوقة كفتاة بكر. وفى النهر لا يوجد إلا البط والوز، وليس فى الأمر ما يشير إلى أنه فى وقت من الأوقات كانت تسير القوارب للتنزه، ويبدو أن الوز قد صار قليلاً على عكس ما كان فى الماضى. أغلق ياكوف عينيه، فراحت تركض فى مخيلته أسراب ضخمة هائلة متقابلة من الوز الأبيض. لم يكن يدرى كيف حدث أنه خلال الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة من حياته لم يذهب مرة واحدة إلى النهر. ولو كان قد حدث وذهب، فهو لم يلق بالاً إليه أبدا؟ إلا أن النهر مخلص وأمين، وليس شحيحاً ووضيعاً. وكان من الممكن ممارسة صيد السمك فيه، وبيعه للتجار والموظفين وصاحب البوفيه على المحطة، وبعد ذلك يمكن وضع النقود فى البنك. وكان من الممكن السباحة فى قارب من ضيعة إلى ضيعة، والعزف على الكمان ولدفع الناس، حينها، من مختلف الطبقات نقوداً من أجل ذلك. وكان من الممكن تجريب قياد قوارب التنزه، وهذا أفضل من صناعة التوابيت. وفى النهاية كان من الممكن تربية الوز واصطياده ثم بيعه شتاء فى موسكو، وعندئذ كان من الجائز تحصيل ما يقرب من عشر روبلات فى السنة من بيع الريش وحده. ولكنه غفل عن كل هذا ولم يفعل أى شىء منه فى حينه، ويالها من خسارة! ياه، يا لها من خسارة! ولو كانت كل هذه الأشياء معا: صيد السمك والعزف على الكمان وقيادة القوارب واصطياد الوز، فأى رأسمال كان من الممكن تحقيقه! ولكن لم يكن هناك أى شىء من ذلك حتى فى المنام. ومرت الحياة دون جدوى، بدون أية لذة، ضاعت هباء وهدراً، ولم يتبق أى شىء فى المستقبل، وإذا نظرت للوراء فهناك أيضاً لا يوجد شىء سوى الانتكاسات والخسائر، وتلك الفظائع التى تقشعر منها الأبدان، لماذا لا يستطيع الإنسان أن يعيش بحيث لا توجد هذه الخسائر؟ يا ترى من أجل ماذا قطعوا شجرة البتولا وحرش الصنوبر؟ ولماذ كف الكلأ عن العطاء؟ ومن أجل أى شئ يفعل الناس دائما كل ما هو غير ضرورى لهم؟ من أجل ماذا أمضى ياكوف حياته كلها يتشاجر ويتخاصم، ويزعق ويصرخ، يهدد بقبضتيه، ويسئ إلى زوجته. ويا ترى ما الداعى لكى يفزع (اليهودى) ويهينه الآن؟ لماذا يعرقل الناس، بشكل عام بعضهم البعض عن الحياة؟ فما أكثر الخسائر الفادحة! وما أكثر الانتكاسات البشعة من جراء ذلك! ولو لم يكن الحقد والضغينة لكان للناس من بعضهم البعض منافع عظيمة. فى المساء وبالليل كان يتراءى له الطفل الصغير، والصفصافة، والسمك، والصيد، والوز، ومارفا تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء، ووجه روتشيلد الممتقع المسكين، وسحنات ما أخرى تميل عليه من جميع الاتجاهات مدمدمة بخسائره. وراح يتقلب من جنب إلى جنب، ونهض من فراشه ما يقرب من الخمس مرات لكى يعزف على الكمان. فى الصباح رفع جسده من الفراش بصعوبة بالغة، وذهب إلى المستشفى، أمر له مكسيم نيكولايتش بنفسه بوضع كمادة باردة على رأسه، وأعطاه مسحوقاً، ولكن ياكوف أدرك من ملامحه ومن نبرة صوته أن الحالة سيئة، ولن تنفع أى مساحيق. وبعد عودته إلى البيت أدرك أن هناك منفعة واحدة من الموت: فليست هناك ضرورة للأكل، ولا للشرب، ولا لتسديد الصدقات والإتاوات للكنيسة، ولا الإساءة للناس، وبما أن الإنسان سيرقد فى القبر ليس عاماً واحداً، وإنما مئات وآلاف السنين، فلو حسبنا المنفعة لبدت عظيمة. ومن حياة الإنسان لا يتأتى أى شىء سوى الخسارة، أما من موته فتأتى الفائدة، وهذه الفكرة بالطبع بديهية، ورغم ذلك فكل هذا مؤلم ومرير: فلماذا يوجد فى العالم ذلك النظام الغريب، حيث الحياة التى توهب للإنسان مرة واحدة فقط تمر هكذا دون جدوى؟ لم يكن مؤسفاً له أن يموت، ولكن ما إن وقعت عيناه فى البيت على الكمان حتى انقبض قلبه، وشعر بالأسى والأسف لكونه لن يستطيع أخذ الكمان معه إلى القبر، وسيبقى الآن يتيماً، وسوف يحدث معه نفس ما حدث مع غابة البتولا وحرش الصنوبر. كل شىء فى هذا العالم قد ضاع، وسوف يضيع على الدوام! خرج ياكوف من البيت وجلس قرب العتبة وهو يضم الكمان إلى صدره بقوة. وبينما راح يفكر فى حياته الخاسرة التى ضاعت هدراً، عزف على الكمان دون أن يدرى هو ذاته ماذا يعزف. فخرج العزف حزيناً ومؤثراً وانهمرت الدموع على خديه، وكلما استغرق فى التفكير، غنى الكمان بشكل أكثر حزناً. أصدر مزلاج الباب الخارجى صريراً، مرة ومرتين، وظهر روتشيلد فى الباحة الخارجية أمام البيت. قطع نصف المسافة بشجاعة، وما إن رأى ياكوف حتى توقف فجأة وانكمش تماماً. وراح من رعبه يصنع بيديه تلك الإشارات التى كما لو كان يود بها أن يبين على أصابعه كم الساعة الآن. قال ياكوف بحنان داعياً إياه: -تعال.. لا تخف.. تعال! تطلع روتشيلد بارتياب. وبخوف أخذ يقترب، ثم توقف على بعد ساجين(6) منه. وقال مقرفصاً: -انتم.. أعملوا معروف لا تضربونى! لقد أرسلونى موسى إليتش من جديد. قالوا لا تخف، اذهب ثانية إلى ياكوف وقل له إن الأمر بدونهم غير ممكن إطلاقاً. فيوم الأربعاء عُرش(7).. نعم.. نعم.. السيد شابوفالوف.. سيزوج ابنته لإنشان( جيد. وأضاف (اليهودى) مضيقاً عيناً واحدة: -والعُرش سيكون رغيداً.. أو.. أوو..! قال ياكوف متنفساً بصعوبة: -لا أستطيع.. لقد مرضت يا أخى. وراح يعزف من جديد والدموع تطفر من عينيه وتتساقط على الكمان. وأخذ روتشيلد ينصت باهتمام مائلا نحوه بجانبه وعاقداً ذراعيه على صدره، بينما التعبير المذعور على وجهه يتحول شيئاً فشيئاً إلى شعور حزين مشفق، وجحظت عيناه كأنما يعانى من إحساس بالإعجاب المضنى. ثم تمتم وااه ه ه! وسحت دموعه ببطء على خديه وراحت تقطر على سترته الخضراء. ظل ياكوف طوال النهار راقداً مغموماً. وبينما كان القس يحصل منه على الاعتراف فى المساء، سأله عما إذا كان قد نسى الاعتراف بذنب ما مهم. وفيما راح ينشط ذاكرته الضعيفة، تذكر من جديد وجهه مارفا الناضح بالشقاء، والصرخة المؤلمة (لليهودى) الذى عضه الكلب، ثم قال بصوت لا يكاد يسمع: -سلموا الكما لروتشيلد. فأجاب قس: -حسناً. * * * الآن يتساءل الجميع فى البلدة: من أين لروتشيلد بهذا الكمان الجيد؟ اشتراه أم سرقه، أو من الممكن أن يكون قد حصل عليه كرهن؟ أما هو فقد ترك الناى منذ زمن بعيد، ويعزف حالياً على الكمان فقط. ومن تحت قوسه تنساب أيضاً تلك الأنغام الحزينة كما كانت تنساب آنذاك من الناى. ولكنه عندما يحاول إعادة ما عزفه ياكوف وقتما كان جالساً على العتبة، كان يخرج منه شىء يوحى بالحزن والأسى بحيث ينخرط السامعون فى البكاء رغماً عنهم، فيما كان هو فى نهاية اللحن يجحظ بعينيه متمتماً: واااه ه ه! وإذ أثارت هذه الأغنية الجديدة الإعجاب فى البلدة، فقد راح التجار والموظفون يدعون روتشيلد أثناء فترات الراحة ويرغمونه على عزفها عشرات المرات. هوامش: (1) مقياس طول روسى قديم يساوى 71سم-(المترجم). (2) لم يكتب تشيخوف كلمة (يهودى) بالروسية، ولكنه استخدم الصفة الشائعة التى كانت تستخدم لتحقير اليهود فى روسيا القيصرية (جيد)-بكسر الجيم وتعطيشها وكسر الياء أيضا-المأخوذة من الكلمة الإنجليزية (Judas). وسوف نضعها لاحقا بين قوسين، للتمييز بينها وبين صفة يهودى بالمعنى الروسى-(المترجم). (3) المقصود (أهلى)، ولكن ياكوف نطقها بشكل غير صحيح لغويا، واضعا علامة النبر على حرف آخر-(المترجم). (4) المقصود (علقة)، ولكن ياكوف نطقها بشكل غير صحيح إملائيا حرف بحرف آخر، والعلقة هى نوع من الديدان كان الروس يستخدمونه للعلاج بوضعه على الجسم لامتصاص الدم كوسيلة لعملية الحجم-(المترجم). (5) المقصود (حالا)، ولكن روتشيلد نطقها بشكل غير صحيح مبدلا علامة النبر-(المترجم). (6) ساجين يساوى متر و13سم-(المترجم). (7) المقصود (عُرس)، ولكنه نطقها بلكنة غير روسية-(المترجم). (8) المقصود (إنسان)، ولكنه نطقها أيضا بلهجة غير روسية-(المترجم أنطون بافلوفيتش تشيخوف ترجمة : أشرف الصباغ |
|
#27
| |||
| |||
| ( سيرجى كابيتونيتش أهينيف ) , أستاذ الخط , كان يزوج ابنته إلى أستاذ التاريخ والجغرافيا . مهرجانات الزفاف كانت تسلك السبيل المتوقع بنجاح تام . بداخل غرفة الرسم كانوا يغنون , ويلعبون , ويرقصون . النُدَّل المأجورون من النادى كانوا يهرعون بحيرة وذهول هنا وهناك حول الغرف , لابسين سترات سوداء مشقوق ذيلها وأربطة عنق بيضاء بياضاً باهتاً . كان هناك صخب مستمر وضجيج حديث , كان أستاذ الرياضيات وأستاذ اللغة الفرنسية ومخمن الضرائب الأدنى يتكلمون بسرعة جالسين جنباً إلى جنب على الأريكة , وغير ذلك يعترضون على من حولهم , بوصفهم لأحوال الضيوف بأنهم أشخاص يُدفنون أحياءاً ! , ويقدمون آراءهم فى الروحانية , لا واحد منهم كان يؤمن بالروحانية , ولكنهم وافقوا جميعاً على أن هناك العديد من الأشياء فى هذا العالم التى دائماً ما تكون وراء العقل البشرى . بداخل الحجرة الأخرى كان أستاذ الأدب يشرح للزائرين الأحوال والظروف فى مسألة حق الحارس فى التعدى على عابرين السبيل . الموضوعات المطروحة على حد الفهم والإدراك كانت موضوعات شائكة ومثيرة للهجوم , إلا أنها كانت مقبولة للغاية لدى الجميع . فى تمام منتصف الليل اتجه مالك البيت إلى المطبخ ليرى هل كل شىء قد جهز للعشاء . المطبخ كان مليئاً من الأرض وحتى السقف بأدخنة ناشئة من إوزة وبطة , وكثير من الأشياء المطبوخة الأخرى . وعلى منضدتين كانت الكماليات .. المشروبات , أضواء منعشة موضوعة فى مظهر فوضوى فنى . الطباخة ( مارفا ) , امرأة ذات وجه أحمر اللون , بنية جسمها كان كالبرميل بحزام من حوله , كانت مسرعة باهتياج بشأن المناضد . قال ( أهينيف ) وهو يحك يديه ببعضهما البعض , ويلعق شفتيه : " أرينى السمكة الكبيرة ذات الكافيار يا ( مارفا ) " واستطرد : " يالها من رائحة ! , أنا بهذا يمكننى أن أأكل المطبخ بأكمله . هيا , أرينى السمكة " ذهبت ( مارفا ) إلى أحد الموائد , وبحذر , رفعت قطعة من جريدة مشحمة . تحت الورقة وعلى صحن هائل , كانت ترقد سمكة ضخمة , مطلية بالهُلام ومُزينة ببراعم ( الكَبَر ) الخضراء المخللة , والزيتون , والجزر . ( أهينيف ) حدق النظر إلى السمكة ولهث . أشع وجهه بابتسامة بهيجة . وأعاد نظره إلى فوق . فانحنى لأسفل , وبشفتيه أصدر صوت كصوت عجلة غير مزيتة تدور . وقبل أن يقف بدقيقة , طقطق أصابعه , ومرة أخرى لَمَظ شفتيه . فجأة جاء صوت من الغرفة المجاورة : " أها ! صوت قبلة عاطفية حارة ... من ذا الذى تقبلينة بالخارج , يا ( مارفا ) الصغيرة ؟ " وظهر من مدخل الباب المدرس المساعد ( فانكن ) " من هو ؟ .. آه ! ... إنى سعيد لمقابلتك ! يا ( سيرجى كابيتونيتش ) ! , يجب على أن أقول أنك جد رائع رفيع ! " قال ( أهينيف ) بارتباك : - " أنا لا أُقَبِّل , من قال لك ذلك يا أحمق ؟ , إنى فقط كنت ألمظ شفتاى .. بشأن .. إظهار وتبيين دلالة عن ... ابتهاجي بلذة .. النظر إلى السمكة " - " قل هذا لأحد غيرى " , وتلاشى الوجه الفضولى لـ (فانكن ) , وتبدل بابتسامة عريضة ساخرة . شاع الدم فى وجه ( أهينيف ) وقال فى نفسه : " توقف ! , هذا الحقير سيذهب الآن ويصطنع فضيحة . سيلحق بى خزياً وعاراً أمام كل المدينة , هذا الحيوان " ذهب ( أهينيف ) بجبن داخل غرفة الرسم ونظر بخلسة حول المكان ليرى ( فانكن ) . ( فانكن ) كان يقف بقرب من البيانو , وينحنى لأسفل بتفاخر ومرح , ويهمس بشىء ما لأخت زوجة المراقب , والتى كانت تضحك . قال ( أهينيف ) فى نفسه : " يتكلم عنى ! , اللعنة عليه ! , وهى تصدق هذا .. تصدقه ! إنها تضحك ! .. الرحمة ! لا , لا يمكن أن أدع هذا يمر .. أنا لا أستطيع , يجب أن أفعل شيئاً يمنع تصديق الناس له .. سأكلمهم كلهم , وسيظهر لهم على أنه أحمق وناشر للإشاعات " حك ( أهينيف ) رأسه بيده , ولا زال متعصباً فى ارتباك , وذهب إلى أستاذ اللغة الفرنسية . قال ( أهينيف ) للرجل الفرنسى : " لقد كنت للتو فى المطبخ لأرى تجهيز طعام العشاء , أنا أعلم بأنك مولع بالسمك , وأنا عندى سمكة كبيرة ذات كافيار شهى , وفجأة يا رفيقى العزيز , وبدون أية مقدمات , وعلى بعد يارة ونصف , قال ’ ها , ها , ها ’ , و .. , بالمناسبة ... لقد نسيت ... فى المطبخ منذ قليل , ومع تلك السمكة الكبيرة .. هناك قصة صغيرة ! لقد ذهبت إلى المطبخ قبل الآن بالضبط , وأردت أن أنظر إلى أطباق العشاء . نظرت إلى السمكة ولمظت شفتاى فى تلذذ .. ولحدة الصوت , جاء فى تلك الدقيقة هذا الأحمق ( فانكن ) وقال ...’ ها , ها , ها ... إذن أنت تقبل ( مارفا ) ’ , أقبل ( مارفا ) , الطباخة ! يا له من شىء للتخيل , الساذج الأحمق ! تلك المرأة مكتملة السمنة بشكل غريب , وكأنها مجموعة بهائم تجمعوا فى تكتل معاً , وهو يتكلم عن التقبيل ! هذا الشخص الشاذ ! " " من هو هذا الشخص الشاذ ؟ " سأل هذا أستاذ الرياضيات وهو آت . قال ( أهينيف ) : " ها هو ذا , هناك , ( فانكن ) ! لقد ذهبت إلى المطبخ ... " وقال قصة ( فانكن ) .. واستطرد : " ... لقد أضحكنى هذا الشخص الشاذ ! إنى لأفضل أن أُقَبِّل كلب عن أن أفعل هذا بـ (مارفا ) لو خيرتنى " نظر ( أهينيف ) حوله ووجد مخمن الضرائب الأدنى . قال له (أهينيف ) : " كنا نتكلم عن ( فانكن ) , هذا الشخص الشاذ , لقد ذهب إلى المطبخ , و وجدنى بجانب ( مارفا ) , وبدأ يخترع كل أنواع القصص السخيفة , ويقول ’ لماذا تُقَبِّل ؟ ’ , يجب أن عقله قد سقط منه كثيراً , وقد قلت ’ إنى لأفضل أن أُقَبِّل ديكاً رومياً عن ( مارفا ) .. ثم إن لدى زوجتى الخاصة بى أيها الأحمق ’ , لقد أضحكنى ! " - " من الذى أضحكك ؟ " سأل هذا القسيس الذى درَّس الكتاب المقدس بالمدرسة , وهو ذاهب تجاه ( أهينيف ) -" ( فانكن ) . لقد كنت واقفاً داخل المطبخ , حسناً , وأنظر إلى تلك السمكة الكبيرة .... " وهكذا وبعد نصف ساعة تقريباً كان كل المعزومون يعلمون حادثة السمكة و ( فانكن ) . قال ( أهينيف ) فى نفسه وهو يحك يده باليد الأخرى : " دعه يلغو الآن , دعه .. , سيبدأ فى قول قصته لهم , وسيقولون له فى الحال , ’ كفاك هراءاً بعيد الاحتمال , أيها الأحمق , نحن نعلم كل شىء عن ذلك ! ’ " وهنا كان ( أهينيف ) مرتاح البال للغاية , وكنتيجة لسعادته الشديدة , شرب أربعة كؤوس مملوئين عن آخرهم . وبعد مرافقة الصغار إلى غرفهم , ذهب إلى السرير ونام كالطفل البرىء , وفى اليوم التالى لم يعد يفكر بشأن حادثة السمكة الكبيرة . ولكن , وا حسرتاه ! .. أنت تريد , وأنا أريد , والله يفعل ما يريد . لسان شرير فعل فعله الشرير , وكانت خطة ( أهينيف ) بلا فائدة . فقط بعد أسبوع واحد – وللدقة , فى يوم الأربعاء بعد المحاضرة الثالثة – عندما كان ( أهينيف ) يقف عند منتصف حجرة الأساتذة , حاملاً لتقرير عن ميل للمشاغبة لولد يُدعى ( فيسيكين ) , ذهب مدير المدرسة لـ ( أهينيف ) وسحبه جانباً وقال له : " أنظر , يا ( سيرجى كابيتونيتش ) , يجب أن تعذرنى ... إنه ليس من شأنى , ولكن عموماً يجب أن أجعلك تدرك الموقف , إنه من واجبى , أنظر , هناك إشاعات أنك على علاقة رومانسية مع ال ... طباخة .. , هذا لن يضرنى شخصياً فى شىء , .. لك الحرية فى أن تغازلها , تقبلها , كما تشاء , ولكن لا تجعل هذه الأمور عامة وتنشرها للجميع , من فضلك , إنى أتوسل إليك ! لا تنسى أنك مدرس مدرسى " ( أهينيف ) تحول إلى شخص بارد ضربه دوار عنيف . رجع البيت كرجل ملدوغ من سِرب نحل بالكامل . كرجل محروق بماء مغلى . وأثناء مشيه إلى المنزل , شعر بأن كل من فى المدينة ينظر إليه على أساس أنه سىء السمعة . وفى المنزل كانت تنتظرة مشكلة طازجة . سألته زوجته على العشاء : " لماذا لا تلتهم طعامك كعادتك ؟ " , واستطردت : " ما الذى يشغل تأملك هكذا ؟ هل تفكر فى شأن علاقاتك الغرامية ؟ تعلق آمالك بمحبوبتك ( مارفا ) ؟ إنى أعلم كل ما هو بشأن هذا , أيها المسلم ! أصدقاء أخيار قد نبهونى من غفلتى ! آ ه ه ... أيها الهمجى ! " وصفعته على وجهه . خرج من جلسة المنضدة , وهو لا يشعر بالأرض تحت قدميه , وبدون أن يرتدى قَلَنْسُوَّته أو معطفه , جعل طريقه إلى ( فانكن ) . و وجده بالبيت . وجه ( أهينيف ) كلامه لـ ( فانكن ) : - " أيها الوغد ! لماذا لطخت وجهى بالطين أمام كل المدينة ؟ لماذا جعلت تلك الوشاية تنتشر عنى ؟ " - " أية وشاية ؟ عن ماذا تتكلم ؟ " -"من الذى نشر إشاعة تقبيلى لـ ( مارفا ) ؟ أليس هو أنت ؟ قل لى . ألم يكن أنت ؟ , أيها اللص ! " ( فانكن ) نظر بدهشة بعينين طارفتين , ونزع من نفسه كل رمز دال على العنف والثورة , وبدا رزيناً , وأعاد عينيه لتنظر إلى التمثال الذى يعبده , وقال بألفاظ واضحة ومتسقة : " يلعننى إلهى ! يجعلنى أعمى ويقتلنى , إذا كنت قد قلت كلمة مفردة عنك ! من الممكن أن أُشَرَّد , أو أُصاب بمرض أسوأ من الكوليرا لو قلت ذلك عنك ! " إخلاص وصدق ( فانكن ) كان غير قابل للارتياب , لقد كان من البين أنه ليس هو مخترع الوشاية . تساءل ( أهينيف ) فى تعجب : ولكن من إذن ؟ , من ؟! " , وظل يسترجع بعقله ويمر على كل معارفه الشخصية , ويضرب نفسه على صدره ويقول : " من إذن ؟! " أنطون بافلوفيتش تشيخوف ترجمة : غير معروف |
|
#28
| |||
| |||
| - مَن هناك؟ لم يأته رد. ولم يكن بمقدور الحارس ان يرى شيئا. رغم زئير الريح المتواصل وارتطامها بالشجر، كان يسمع وقع اقدام تتقدمه على امتداد الطريق. ليلة من ليالي آذار (مارس). السماء ملبدة بالغيوم، والضباب الكثيف يغلف كل شيء، وخيل للحارس بأن الأرض والسماء وهو نفسه مع أفكاره قد توحدوا جميعا في هيئة واحدة هائلة منيعة تتسربل بالسواد. كان يتلمس طريقه في تلك العتمة الكثيفة. عاد الحارس يصيح مناديا: - من هناك؟ وبدأ يتخيل بانه يسمع همسا وضحكة مكتومة. - من هناك؟ - أنا...ايها الصديق. جاءه صوت رجل عجوز. - ولكن من تكون؟ - أنا....مسافر. عندها صرخ الحارس بغضب، وهو يحاول أن يخفي رعبه بالصراخ. - أي نوع من المسافرين أنت؟ ماذا تفعل بحق الشيطان في مثل هذه الساعة داخل المقبرة؟ - ماذا ؟! أتقول أنها مقبرة ؟! - وماذا تكون؟ بالطبع أنها مقبرة. الا ترى ذلك؟ جاءه صوت الرجل العجوز متنهدا: - يارب السموات! لكني لا أرى شيئا. لا استطيع حتى أن أرى يدي أمام وجهي. - ولكن من تكون؟ - أنا حاج...يا صديقي عندها انطلق الحارس يغمغم لنفسه بتذمر: - الشياطين وطيور الليل...نوع جيد من الحجاج...وكذلك السكارى. يسكرون طوال النهار ويخرجون في الليل ليجوبوا الطرقات ثم أضاف بعد لحظة صمت. - يخيل لي اني سمعت أكثر من صوت، كأنكم إثنان أو ثلاثة. - إنني لوحدي يا صديقي، لوحدي. آآآآآآ....كم نرتكب من ذنوب..... وتعثر الحارس بالرجل فتوقف. - كيف جئت إلى هذا المكان؟ - فقدت طريقي ايها الرجل الطيب. فأنا متجه إلى (متريفسكي ميل) ولكن يبدو أنني قد ضعت. - نعم، هذا صحيح، فالطريق إلى (متريفسكي ميل) ليست من هنا. كان عليك أن تتجه إلى اليسار. تخرج من المدينة مباشرة لتسلك الطريق الخارجي. واضح انك توقفت في المدينة لتشرب بضعة كؤوس، ولهذا انت الآن تائه. - نعم يا صديقي فعلت ذلك. لن أخفي ذنوبي، ولكن ماذا افعل الآن؟ - تستمر حتى نهاية |