| رحم الله الهوى أنهض من سريري بعد أن كنت مستسلما لرقاد طويل… فهكذا هو حالي عندما تهاجمني نوبة زكام… فأعالجها بالنوم الطويل …. كتب مبعثرة في كل مكان… تكاد الطاولة الكبيرة( التي تحتل نصف مساحة الغرفة) لا تتسع لها … وهدوء مخيف في الخارج …. أقلب الساعة لأنظر إليها … فساعتي دائما مقلوبة … وتعطيني ظهرها … لأنني لا أحب أن ألتقي هذا السيف الذي يقطعني كل مرة إلا عندما أشاء … ولذلك لا اترك مكانا للصدفة كي تلعب دورا في هذا الأمر … فتلتقي عيناي عن غير قصد بالساعة… المهم إنها الحادية عشرة ليلا … هذا يعطي تفسيرا للهدوء الذي في الخارج … فالمدينة الآن تغط في نوم عميق … ربما لكسلها الشديد … أو ربما كي تغض الطرف عن بعض العاشقين الذين اضطروا مكرهين لاستخدام الأمواج الكهرومغناطيسية ليعبروا عن أشواقهم … ويمارسوا حتى ولو بالخيال … ما يفعله العشاق في مدن أخرى في وضح النهار … وربما فعلوا(أو تخيلوا) أكثر من ذلك… عني شخصيا لا أحب هذا النوع من المدن … المدن التي تنام باكرا … التي نحرسها بدل أن تحرسنا … والتي تسمح لفتياتها بإظهار وجوههن الجميلة وشعورهن السوداء المسترسلة أمام أبناء خالتهن(مثال للشرعية المشوهة) … وتحجب وجوههن أمام عشاقهن … المدن التي يتسلل الحب فيها عبر الأثير …تلك التي لا تسمح لسفراء المحبة بإقامة أماكن خاصة بهم للعبادة … ثم تغض الطرف عنهم وهم يمارسون هذا الانحراف العاطفي … التي تمشي في أكبر حدائقها فلا تجد شابا بعمر الورد يقدم لفتاته وردة أو طوقا من الفل … وما أكثر أطواق الفل هنا … لكنها تستخدم لزينة السيارات … أو ربما يفرشها بعضهم في غرف النوم (على أسرة يباركها الرب) ليحرق بها جسد أنثاه في ليلة حمراء … هكذا يستخدم الفل هنا …. لا ادري فربما لا يزال مفعول مضاد الهيستامين ساريا … ولذلك فهناك بعض الغشاوة على عقلي تجعلني أهذي … أو ربما أريد أن أهرب من الحقيقة التي جعلتني أضطر آسفا لتناوله حتى أخلد للنوم … إنها المرة الأولى منذ سنوات خمس … التي لا أتمنى فيها أن يهاجمني الزكام … لأنني أدرك الآن أنني وحيد تماما … ولن أجدك بقربي (أو هكذا نتخيل) تقولين لي بكل براءة: ( مالك حمودي ؟ مرضان ؟… إن شاء الله أنا ولا أنت) … وتقومين بهدهدتي كطفل صغير … وتغنين لي عن سرب حمام ينام عندما تتغذى روحه بموسيقى الأمهات … فيأبى الطفل الشقي الذي بداخلي أن ينام … لأنني أعلم أنك تحترمين تماما عقول الأطفال الصغار أمثالي … ولذلك فالخطوة التالية دائما هي … أن تقومي بتقليد صوت طفلة لم تبلغ بعد عامها الثاني … حتى يكاد قلبي يتطاير من فرط الإعجاب … فأخبرك أن صوتك هو الأجمل في هذا الكون … فتعودين فتاة كبيرة … شرقية … تخجل عندما يوجه إليها الإعجاب … خاصة من حبيبها... وتخبريني أن صوتك ليس جميلا على الإطلاق … كعادة الشرقيات عندما يردن استفزاز مشاعرنا لقول المزيد … فأصبح فيلسوفا واقعيا … وأخبرك أن صوتك كقيمة مادية أو كما يراه الآخرون ربما يكون عاديا … ولكن لأنه صوتك ولأنك حبيبتي فهو الأجمل في العالم … فلا يعجبك الغزل الممنطق الذي أقوله … فالنساء يملن أكثر إلى الإعجاب الأعمى والذي لا يجد له صاحبه أي تفسير… وكعادتك في تغيير المواضيع … تسألينني السؤال الذي لا زلت لا أحبه … ولا زلت تكررينه في أذني كل يوم … عندما تريدين معاقبتي بلطف… كيف كان يومك ؟… وكعادتي في الهروب … أخبرك أن يومي كان مملا بدونك … فتعجبك الإجابة وتفغرين لي … ثم تتذكرين أنني بحاجة للنوم … فتحضنينني ( أو هكذا تتخيلين) … كعشاق هذه المدينة العصريين … نقفل سماعة الهاتف … وكل منا يحتضن الآخر بين يديه … ولكي تصدقي أنني نمت بين يديك فعلا... توقظينني برناتك المتكررة في فجر اليوم التالي... فأنظر إلى موبايلي ... لديك رسالة جديدة... فتح... (حمودي كفاية نوم ... يلا بلا دلع ... قوم توضى وصلي فجر)... آه لذلك كنت أحب أن يصيبني شيء من المرض … كي أكسب منك مزيدا من الحنان والعاطفة … وربما التغيير … فلم تكوني ممن يغيرون في الحياة … وكنت كلاسيكية جدا … ولا تحبين التفكير بكل شيء (كما أفعل أنا دائما) ... وتعيشين يومك فقط ولا يهمك الغد كغالبية سكان مدينتنا… كنا مختلفين كثيرا... لكننا كنا مزيجا جميلا بين بلح الشام (أنا) وعنب اليمن (أنت) ...لذلك كله أحببتك حتى أصبحت كل شيء في حياتي … تنقطع ذكرياتي المرتبة حين يفاجئها صوت (أم كلثوم) القادم من غرفة صاحبي ( أبو غزال)… وهي تغني … يا فؤادي لا تسل أين الهوى ؟… أفتح عيني لأدرك مجددا أنني وحيد … فأصيغ الكلام بطريقة تناسبني أكثر فأقول … إيييييييييه … يا فؤادي رحم الله الهوى … يا ترى أذهب للدوام غدا؟ لا لا لن أستطيع … فأنا مريض.
8 حزيران/يونيو 2008 |