......................................................................................
وجد البشر الأوائل أنفسهم على هذه الأرض محاطين بكم كبير من الظواهر الطبيعية الغامضة والمخيفة في كثير من الأحيان ، ونظرا لعجزهم عن فهم أو تفسير الكثير من هذه الظواهر قاموا بنسبة كل ما جهلوه إلى القوى فوق الطبيعية، أو للآلهة ... فاعتبر اليونانيون القدماء صوت الرعد مثلا " عراكا بين الآلهة " ... وفسروا طلوع الشمس كل يوم وغروبها بأنها تجر من قبل آلهة كل يوم ... وهكذا كان حال البشر ...
كان عجز العقل أمام تفسير الظواهر الطبيعية مدعاة للشك في قدرة الإنسان كإنسان ... أحس البشر بضعفهم وضآلتهم، وأيقنوا أن هناك قوى أكبر منهم تتحكم في الكون وظواهره ...
و أدى هذا إلى انتشار الأفكار التي تنسب كل شيء إلى الآلهة وأفعالها ، ولم يكن مجرد التفكير بقدرة الإنسان على فهم الكون -ناهيك عن التحكم فيه- أمرا مقبولا لدى غالبية البشر ...
ومع هذا ، فإن ما كل سبق لم يمنع الناس من تطوير العديد من التقنيات والاكتشافات العلمية ، وكانت السمة المميزة لتلك الاكتشافات والاختراعات هي ارتباطها بالنواحي العملية للحياة ، أو ما ينطبق عليه القول : الحاجة أم الاختراع ....
فكان من أهم اكتشافات البشر هو اكتشافهم الزراعة قبل حوالي 12 ألف عام والتي أدت إلى تغير نمط الحياة من النمط القبلي والارتحال الدائم إلى النمط الزراعي والاستقرار في القرى والمدن ...
ومن الاكتشافات الأساسية أيضا كان اكتشاف الكتابة والذي حدث في ما بين النهرين ، وكان ظهور الكتابة المسمارية ...
أدت الكتابة إلى الحفاظ على بعض العلوم والاكتشافات التي حققتها الشعوب القديمة ، وخاصة في مجالات الفلك والحساب ، إن هذه المجالات كانت مرتبطة بشكل أساسي بنمط حياة أولئك الناس التي كانت تعتمد الزراعة ، فكان الحساب الفلكي ضروريا لصنع التقاويم التي تفيد في زراعة المحاصيل ، وكذلك كان الحساب ضروريا لحساب الضرائب التي كانت تجبى لصالح الملوك ، أو لحساب الأبعاد الهندسية للنصب التي كانت تبنى تعظيما لهم ، كما في مصر وأهراماتها ...
ويتضح مدى ارتباط العلم لدى تلك الشعوب بواقع الحياة العملية ، وببعده عن التفكير المعرفي المجرد ، وهذا التفكير هو ما ميز حضارة اليونان القديمة ...
حضارة اليونان
تميزت حضارة اليونان التي تعد المهد الأول للفكر الغربي عما سبقها بكون البحث العلمي والفكري فيها بحثا مجردا وفي سبيل العلم كعلم ، بدلامن ارتباطه بواقع الحياة العملية ...
بدأت العقل اليوناني الخلاق مع طالس Thales الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد ...
يعد طالس أبا الفلسفة اليونانية ، وقد أمضى جزءا كبيرا من حياته يتنقل في أرجاء الشرق الأوسط ... وفي عام 585 BC وبينما كان في مصر حقق طالس شهرة تاريخية بأن أصبح أول إنسان يتنبأ بوقوع إحدى ظواهر الطبيعة الكبرى ...
كان كسوف الشمس على مر التاريخ ظاهرة مثيرة للرعب ... يكون الناس في عز النهار والدفء ثم فجأة يحل الظلام والبرد في دقائق ويختفي قرص الشمس ، ويتحول إلى حلقة نارية مرعبة في سماء مظلمة ...
وكغيره من ظواهر الطبيعة الغامضة ارتبط الكسوف بكم لا يحصى من الأساطير والخرافات و قصص الآلهة والفأل والشؤم ... إلخ .... كان العرب يعتقدون أن الكسوف يحدث عند وفاة شخص عظيم أو ميلاده ...
لقد كان الكسوف ظاهرة قاهرة للعقل البشري كغيرها من الظواهر ...
نجح طالس كأول إنسان أن يحسب وقت حدوث هذه الظاهرة المرعبة قبل وقوعها ... لقد مثل هذا الحدث بداية التفكير الاستنباطي Rationalism ... أي الفلسفة التي تقول بقدرة العقل المجرد على فهم الكون وتفسيره ...
وبناء على هذه الثقة التي كونها اليونانيون بعقولهم ، وبقدرتها على فهم الكون و الطبيعة ، بدأت سلسلة الفلاسفة اليونانيين العظماء الذين طرحوا أفكارا حول الكون لم يكن ليطرحها أحد من قبلهم ( وحتى كثير من بعدهم ! ) ...
كان البشر يعتقدون أن الأرض عبارة عن سطح ... طالس نفسه كان يظن أن الأرض عبارة عن قرص مسطح يطفو على الماء ... ولكن بيثاغورس Pythagoras عالم الرياضيات المشهور وأتباعه طرحوا ولأول مرة فكرة كروية الأرض ...
كما قالوا أيضا بأن الأرض تدور في مسار دائري حول نار مركزية ... إن هذا الطرح هو ذو أهمية كبرى حيث أن الفكرة السائدة دائما كانت أن الأرض هي مركز الكون والشمس هي من يتحرك حولها وليس العكس ...
وكما طرح الفيلسوف ليوكيبوس Leucippus وتلميذه ديموقريطوس Democritus فكرة أن مادة الكون مكونة من ذرات غير قابلة للتقسيم ... وهي فكرة صحيحة إلى حد كبير ...
ولم يتوقف العقل اليوناني عند حدود دراسة الكون ، بل تعداها إلى دراسة طريقة التفكير نفسه ... وهكذا ظهرت مدرستا الفلسفة، مدرسة أفلاطون (الأكاديميا) و مدرسة تلميذه أرسطو ( اللوكيون) ، ودرس اليونانيون المنطق ...

أرسطوطاليس (المعروف بأرسطو)
وبعد وفاة أرسطو تتابعت الاكتشافات ، فقام Eratosthenes بحساب محيط الأرض اعتمادا على مقارنة ارتفاع الشمس فوق الأفق في مكانين مختلفين ... وقام أرخميدس بوضع أساس علم الميكانيك ...
أسس Theophrastus علم النبات وقام Galen بتشريح العديد من الحيوانات وكان أول من قال بأن الشرايين يسري فيها الدم لا الهواء كما كان يظن ...
وأخيرا قام بطليموس بوضع نظامه البطليمي للكون ، وهو عبارة عن تعديل للنظام الأرسطي ، وكان يقول بأن الأرض هي مركز الكون ، وظل سائدا في أوروبا لقرون طويلة خاصة بعد أن اعتبرته كنيسة روما متوافقا مع نص الكتاب المقدس ...
ولكن هذا الازدهار العقلاني وصل إلى نهايته مع تحول اليونان إلى مقاطعة رومانية في القرن الاول قبل الميلاد. رغم أن الرومان كانوا بارعين جدا في مجالات عديدة كالحرب والسياسة والقانون والإدارة والهندسة والعمار ... إلا أن اهتمامهم بالعلوم الأساسية كان ضعيفا ... وذلك لأنهم كانوا مثل غيرهم من الشعوب ما عدا الاستثناء اليوناني، لا يهمهم العلم لأجل العلم بقدر ما يهمهم العلم الذي يخدمهم في حياتهم ...

مساعدة





































